أثار الرد البرلماني للمستشار محمود عرشان تحت قبة مجلس المستشارين، خلال مناقشة البرنامج الحكومي، موجة استياء عارمة بين الفئات المتضررة والفعاليات الحقوقية التي رأت في خطابه محاولة مرفوضة لتبييض ماضي الانتهاكات الجسيمة وتجاوز حدود النقاش المؤسساتي نحو تخوين المنتقدين.
وجاء هذا السجال المفاجئ ليحول جلسة يفترض أن تُخصص لمساءلة الاختيارات الحكومية والسياسات العامة إلى منصة لتوجيه الاتهامات ودعوات التحدي الإعلامي، وهو ما اعتبرته هيئات مدنية وازنة طعناً مباشراً في الذاكرة الجماعية ومسار العدالة الانتقالية الذي بذلت فيه الدولة والمجتمع تضحيات جساماً لطي صفحة الماضي على أساس الحقيقة والإنصاف.
حين يفقد المنبر المؤسساتي بوصلته الرقابية
لم يكن ممكناً للمتتبعين للشأن العام تمرير لغة التخوين التي أثثت جزءاً من نقاشات المؤسسة التشريعية دون توقف عند دلالات تحول منبر دستوري إلى فضاء لتصفية الحسابات الرمزية مع ضحايا الأمس. فالبرلمان، بوصفه حاضنة للتشريع ومراقبة العمل الحكومي، يتحمل مسؤولية أدبية وسياسية في حماية هيبة النقاش العمومي، وصونه من الانزلاق نحو استعراضات شخصية تسيء إلى صورة المؤسسات وتعمق الهوة بين المواطن والمنتخب.
وقد توقفت البيانات الحقوقية المشتركة الصادرة عن هيئات وازنة عند خطورة هذه الخرجات، مذكرة بأن الشهادات الحية المرتبطة بتلك المرحلة القاتمة من تاريخ البلاد، بما حملته من مآسٍ ومعاناة وثقتها تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة، لا يمكن محوها بمرور الزمن أو اختزالها في مناظرات تلفزيونية عابرة تفتقد للحد الأدنى من استحضار كرامة الضحايا وعائلاتهم.
اختبار حقيقي لالتزامات حماية الذاكرة
تضع هذه التطورات المؤسسات المعنية، وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والحكومة، أمام محك حقيقي لتأكيد تشبثها باختيار عدم التكرار وصون المكاسب الحقوقية للمملكة. فالمصالحة الوطنية لم تكن مجرد تسوية ظرفية، بل مساراً سيادياً وأخلاقياً يقتضي اليقظة الدائمة ضد كل محاولة للالتفاف على نتائجه أو الانتقاص من معانات الضحايا.
إن صمت الجهات التنفيذية والتشريعية أمام هذه الانحرافات الخطابية يطرح علامات استفهام كبرى حول حدود حماية الذاكرة الجماعية من محاولات التحريف، ويؤكد أن كرامة المواطن وحقوقه الأساسية تظل دائماً خطاً أحمر لا يقبل المساومة، بغض النظر عن المواقع والمواقع الاعتبارية لأصحاب تلك الخطابات.



















