أثار التعديل الحكومي الأخير ومراسم تسليم السلط بقطاع الإسكان والتعمير نقاشاً سياسياً واسعاً حول معايير الكفاءة، مسقطاً أطروحة \”التكنوقراطية الضيقة\” التي يحاول بعض الفاعلين تسويقها لربط النجاح الوزاري بالشواهد الأكاديمية البحتة على حساب الخبرة الميدانية والتدبير الترابي.
تجسدت هذه النقاشات بوضوح في السجالات التي أعقبت إسناد قطاع التعمير والإسكان إلى أسماء جديدة، حيث برزت أصوات منتقدة من قبيل المهندس عبد الصمد سكال، الذي اعتبر أن تدبير هذا القطاع المعقد يتطلب تخصصاً تقنياً مباشراً متجاهلاً تجارب التدبير المحلي. غير أن هذه المقاربة تغفل الجوهر الحقيقي للعمل الحكومي الذي لا يُختزل في صب الخرسانة أو إعداد التصاميم الهندسة، بل في صياغة السياسات العمومية وقيادة الإدارة نحو استجابة فعلية لانتظارات المواطنين.
الخلط المفهومي بين المهندس والسياسي في تدبير الشأن العام
تنم محاولة حصر النجاح الوزاري في الدبلوم الأكاديمي عن قراءة قاصرة لدور الوزير باعتباره فاعلاً سياسياً ومقرراً استراتيجياً، لا رئيس مشروع تقني. فالوزير يوظف كفاءته السياسية للتفاوض المالي وجلب الميزانيات وتوجيه الأطر والتكنوقراط المختصين. وتاريخ التدبير الحكومي بالم المغرب يؤكد أن أبرز المحطات الناجحة قادها سياسيون يمتلكون حساً ميدانياً وليسوا بالضرورة أصحاب تخصصات تقنية دقيقة في القطاع الذي يشرفون عليه.
قيمة التدبير الترابي في مواجهة التجريد الأكاديمي
تتجاهل الانتقادات الموجهة للتعيينات الأخيرة الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لقطاع التعمير، والتي تتجاوز بكثير المعادل الرياضي والتخطيط الجامد. وقد أظهرت التجربة الميدانية، من خلال محطة تدبير شخصيات مثل فاطمة السعدي وأديب بنبراهيم لشؤون مرتبطة بالجماعات الترابية، أن القرب الحقيقي من نبض الشارع واحتياجات الأسر البسيطة يشكل رافعة أساسية للنجاح المؤسساتي تعجز المكاتب الاستشارية عن توفيرها.
أزمة التناقض المعياري ومحاكمة النوايا السياسية
يكشف التمحيص في أطروحة المدافعين عن التكنوقراطية البحتة تناقضاً داخلياً صارخاً، إذ يُقر أصحابها أحياناً بصفة الوزير السياسية، لكنهم يعودون لاشتراط تخصصات دقيقة تخدم خلفيات تنظيمية أو مهنية معينة. هذا التعاطي يحول التحليل من مقاربة موضوعية لبنية القطاع إلى محاكمة نوايا سابقة لأوانها، في وقت لم تمنح فيه الفرصة بعد لتقييم الحصيلة الميدانية للفرق الحكومية الجديدة.
إن رهان الإصلاح في قطاع حيوي كالإسكان وسياسة المدينة لا يُقاس بنوعية الدبلوم المعلق على جدار المكتب، بل بالقدرة على تقليص البيروقراطية، الابتكار في إيجاد حلول للسكن اللائق، والإنصات الحقيقي لتطلعات المواطنين، وهي مهام تظل رهينة بالرؤية السياسية الشاملة لا بالانغلاق التقني.



















