من “تقاسم الكعكة” إلى “حرب الحقائب”: كيف فجّرت المصلحة تحالف البام والأحرار؟

حسيمة سيتيمنذ 4 دقائقآخر تحديث :
من “تقاسم الكعكة” إلى “حرب الحقائب”: كيف فجّرت المصلحة تحالف البام والأحرار؟
بقلم: رشيد البراني

حين كان البام والأحرار شريكين في تدبير الشأن العام، لم يكن هناك خلاف يُذكر حول من يستقطب من، ومن يبتز من، لأن الطرفين كانا يشتغلان بمنطق واحد: توسيع النفوذ وتقاسم الريع السياسي والانتخابي بأقل قدر من الاحتكاك. لكن اليوم، وبعد أن اقتربت المصالح الشخصية من التضارب، تحوّل ذلك التفاهم الضمني إلى عداء علني، وكأن السياسة عندهما لم تكن يومًا مشروعًا لخدمة المواطن، بل صفقة تُدار بين شركاء ينتظرون فقط لحظة تقسيم الغنيمة أو التنازع عليها.

تحالف الأمس: توافق على المصالح لا على البرامج

خلال السنوات الخمس الماضية، شكّل حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، رفقة حزب الاستقلال، أغلبية حكومية لم تكن في جوهرها تحالفًا برامجيًا بقدر ما كانت تفاهمًا على تدبير المصالح والمواقع. لم يكن الخلاف الأيديولوجي حاضرًا بقوة، لأن الحزبين، رغم اختلاف واجهاتهما الخطابية، يتقاسمان نفس المنطق العميق في الاشتغال السياسي: الاستقطاب، والريع الانتخابي، والتحكم في مفاصل القرار المحلي والجهوي.

هذا التوافق غير المعلن هو ما جعل الحكومة، طوال ولايتها، أكثر انشغالًا بضبط توازنات النفوذ الداخلي بين الحزبين من انشغالها بالإصلاحات العميقة التي وعدت بها. فحين يتفق الشريكان على قواعد اللعبة، تصبح المصالح الحزبية أولوية، ويتحول الملف الاجتماعي والخدمات العمومية إلى تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها أو التعامل معها بالحد الأدنى.

حين يقترب موعد الحساب، تنهار الصداقة

مع اقتراب الانتخابات التشريعية، انقلبت المعادلة بالكامل. الأحرار، المتصدر في الولاية السابقة، يريد الحفاظ على الصدارة، والبام لا يريد الاكتفاء بموقع الوصيف، بل يسعى لانتزاع مساحة أكبر من النفوذ. هنا بدأ التحالف “الزوجي” يتحول إلى ما يشبه “طلاقًا سياسيًا”، حيث يتقدم كل طرف بمنطق مصلحته الخاصة، بعد أن كان الخطاب المشترك يتحدث عن “الاستقرار الحكومي” و”خدمة المواطن”.

الاتهامات المتبادلة حول الترحال السياسي تكشف حجم النفاق السياسي الذي حكم هذا التحالف من الأساس. فالأحرار يتهم البام اليوم باستقطاب برلمانييه ومنتخبيه، متجاهلًا أنه هو نفسه بُني، في مساره الصعودي، على استقطاب مكثف لفاعلين ومنتخبين من أحزاب أخرى، من ضمنها البام نفسه، إلى درجة أن رئيسه الحالي محمد شوكي كان في وقت سابق من صفوف البام قبل أن ينتقل ويصعد داخل هياكل الأحرار.

الترحال السياسي: مبدأ عندما يخدم، وخيانة عندما يضر

هذه المفارقة تفضح جوهر العلاقة بين الحزبين: الترحال السياسي لم يكن يومًا قضية مبدئية عندهما، بل أداة تُستخدم أو تُستنكر بحسب من يستفيد منها. فحين كان الأحرار يستقطب مسؤولين محليين ومنتخبين من أحزاب منافسة، كان ذلك يُقدَّم باعتباره “استقطابًا للكفاءات” وإعادة ترتيب للمشهد السياسي. أما اليوم، وبعد أن بدأت الأسماء تنتقل في الاتجاه المعاكس نحو البام، فجأة أصبح الأمر “ترحالًا مشينًا” يمس “الأعراف” و”استقلالية الهياكل”.

هذا الكيل بمعيارين ليس زلة عابرة، بل يعكس بنية تفكير مشتركة بين الحزبين: القاعدة السياسية عندهما ليست القانون أو المبدأ، بل من يجني الفائدة في اللحظة المعينة. وحين ينتقل فوزي لقجع من الأحرار إلى البام، لا يتحول الأمر إلى نقاش سياسي حول البرامج، بل إلى معركة على الأسماء والمواقع والنفوذ الانتخابي.

وزارة المالية: حين تتحول الحقيبة إلى كعكة تُقسّم قبل الطبخ

من أعمق الأدلة على أن هذا الصراع لا علاقة له بالمصلحة العامة هو النقاش المبكر حول وزارة المالية، قبل أن تقع الانتخابات وقبل أن يتشكل أي تحالف رسمي. أن يتحدث عبد اللطيف الطالبي العلمي عن “تجميع” الحقائب أو “تفصيلها” في هذه المرحلة، يعني بوضوح أن منطق الحكم عند هذه الأحزاب لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من حسابات توزيع السلطة والمال العام مسبقًا، وكأن الدولة مؤسسة عائلية تُدار حقائبها بالتفاهمات الجانبية لا بنتائج الصندوق.

هذا التسابق نحو حقيبة بعينها، دون حتى انتظار نتائج الصناديق، يفضح أن ما يهم هذه الأحزاب ليس المشروع السياسي، بل موقع السلطة الذي يتيح التحكم في الريع والصفقات والتوظيف والمشاريع.

الكأس نفسها، والماكينة نفسها: من “البجيدي” إلى “الأحرار”

المفارقة الأعمق أن الأحرار، الذي يخوض اليوم معركة الدفاع عن “استقلالية الهياكل” في مواجهة البام، هو نفسه الحزب الذي استعمل بالأمس الأدوات ذاتها لإسقاط حزب العدالة والتنمية من موقع الصدارة، عبر استقطاب واسع لمنتخبين ومسؤولين محليين ماليًا وتنظيميًا، في عملية وصفها كثيرون بأنها “هندسة انتخابية” أكثر منها منافسة برامجية.

اليوم، تبدو “الماكينة” التي صنعت صعود الأحرار على حساب البجيدي، وكأنها بدأت تُدار في الاتجاه المعاكس، هذه المرة لصالح البام. وهذا يعيد إلى الواجهة قاعدة سياسية ثابتة: من يبني نفوذه على الاستقطاب والمال والريع، يجب أن يتوقع أن تُستخدم نفس الأسلحة ضده حين تتغير موازين المصلحة.

نهب مشترك في الحكم، وصراع فردي على المكاسب

الحقيقة التي يعكسها هذا الصراع المتصاعد بين البام والأحرار هي أن الحزبين لم يكونا يومًا في خلاف حول جوهر الممارسة السياسية، بل حول من يستفيد أكثر منها. فحين كانا في الحكومة معًا، اتفقا ضمنيًا على تدبير المصالح المشتركة، وتقاسم النفوذ، وتمرير السياسات دون احتكاك يذكر، بينما بقيت هموم المواطن الحقيقية، من تعليم وصحة وشغل وقدرة شرائية، خارج دائرة الأولوية الفعلية.

أما اليوم، فبعد أن اقترب موعد الحساب الانتخابي، وأصبحت المقاعد والحقائب على المحك، انقلب “التفاهم” إلى “عداء”، ليس لأن أحد الطرفين اكتشف فجأة عيوبًا أخلاقية في الآخر، بل لأن المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة لم تعد تسمح باستمرار التقاسم الهادئ.

خلاصة: لا مبدأ يحكم العلاقة، بل مصلحة تتغير باستمرار

ما يجري بين البام والأحرار ليس صراعًا بين مشروعين سياسيين مختلفين، بل تعبيرًا صريحًا عن طبيعة الممارسة السياسية القائمة على المصلحة الفردية والحزبية الضيقة، حيث تتغير المواقف بتغير المكاسب، ويتحول الحليف إلى خصم بمجرد أن تتقاطع الأهداف الشخصية.

وفي النهاية، يبقى الدرس الأبرز من هذه المعركة أن من يبني قوته على الاستقطاب والريع والتلاعب بالحقائب قبل الانتخابات، يجب أن يكون مستعدًا ليوم تُستخدم فيه نفس الأدوات ضده. فكما قيل: كما تدين تُدان، وما بُني على المصلحة، سرعان ما تهدمه مصلحة أخرى أشد قوة.

المصدر حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق