بعد سنوات من صدور الأحكام في ملف معتقلي حراك الريف، ما يزال السؤال نفسه يعود بإلحاح: لماذا لم يتحول هذا الملف إلى حل سياسي-قانوني يطوي صفحة من أكثر القضايا حساسية في المغرب، ولماذا فشلت كل المحاولات التي راهنت على المبادرات البرلمانية أو النداءات الحقوقية الفردية؟
الجواب لا يرتبط بعامل واحد، بل بتشابك معقد بين الحسابات السياسية، وحدود المبادرة البرلمانية، وطبيعة المسار القانوني، وغياب تعبئة وطنية مستمرة قادرة على تحويل الملف من قضية محلية أو حقوقية إلى قضية رأي عام منظم.
ملف تجاوز حدود المنطقة
منذ اندلاع حراك الريف، لم يعد النقاش محصورًا في شعارات الشارع أو في أسماء المعتقلين، بل تمدد إلى أسئلة أكبر: العلاقة بين الدولة والمجال، حدود التمثيل السياسي، معنى التنمية، وموقع العدالة الاجتماعية في السياسات العمومية.
ومع صدور الأحكام الثقيلة في حق عدد من النشطاء، وعلى رأسهم ناصر الزفزافي، تحولت القضية من نزاع احتجاجي إلى ملف رمزي يختبر قدرة المؤسسات على إنتاج حلول لا تكتفي بالعقاب، بل تبحث عن الإنصاف وتفكيك أسباب الأزمة.
لماذا تعثر العفو العام؟
المبادرة التي تقدمت بها نبيلة منيب في البرلمان، والمتعلقة بالعفو العام، اصطدمت بعدة عوائق. أول هذه العوائق أن العفو العام ليس مسألة عاطفية ولا مطلبًا شعبيًا فقط، بل هو قرار سياسي-تشريعي يحتاج إلى توافق برلماني واسع وإرادة سياسية قادرة على تحمله.
في الحالة المغربية، لم يتوفر لهذا المقترح الغطاء الكافي داخل المؤسسات، سواء بسبب توازنات الأغلبية والمعارضة، أو بسبب حساسية الملف سياسيًا، أو لأن جزءًا من الفاعلين تعامل معه بوصفه ملفًا مرتبطًا بالاحتجاج أكثر من كونه ملفًا تشريعيًا قابلًا للحسم.
العائق الثاني أن المقترح ظل، في جزء كبير منه، محدودًا داخل الإطار البرلماني، بينما هذا النوع من الملفات يحتاج إلى ضغط متزامن من ثلاث دوائر: البرلمان، الرأي العام، والهيئات الحقوقية والقانونية.
أما العائق الثالث فهو أن الملف لم يُقدَّم دائمًا بوصفه سؤال عدالة عامة، بل أحيانًا جرى التعامل معه كقضية نخبوية أو سياسية ضيقة، وهو ما قلل من قابلية تعبئة شرائح واسعة من المجتمع حوله.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
إذا كان الطريق البرلماني وحده قد تعثر، فإن الحل لا يكون بالاستسلام، بل بتوسيع دائرة الفعل.
المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال من النداء الرمزي إلى العمل المنظم. وهذا يعني:
- بناء لجنة وطنية مدنية تضم محامين وحقوقيين وفاعلين اجتماعيين وشخصيات أكاديمية.
- صياغة ملتمس قانوني واضح يميز بين العفو العام، العفو الملكي، والمطالبة بالمراجعة أو الإنصاف.
- إطلاق عريضة وطنية واسعة بتوقيعات متعددة من مختلف جهات المغرب، حتى لا يبقى الملف محصورًا في تعاطف موسمي.
- إنتاج مرافعة إعلامية محترفة تشرح الملف بلغة هادئة، دقيقة، وغير صدامية.
- ربط القضية بأسئلة أوسع: العدالة الانتقالية، الكرامة، الثقة في المؤسسات، وحق الاحتجاج السلمي.
لماذا ينبغي أن يتحرك الجميع؟
الملف اليوم لم يعد شأنًا يخص أسر المعتقلين وحدهم. استمرار الجمود يعني أن الأزمة باقية في الذاكرة العامة، وأن الجرح السياسي لم يلتئم بعد.
حين يشعر المواطن أن القنوات الرسمية لم تنتج حلًا، تصبح المبادرة المجتمعية ضرورة لا ترفًا.
إن المغاربة، من محامين وصحفيين وأساتذة وطلبة ونقابيين وفاعلين جمعويين، قادرون على تحويل التعاطف إلى فعل، والفعل إلى ضغط سلمي منظم، والضغط إلى مسار سياسي قابل للنقاش.
المطلوب ليس الضجيج، بل الاستمرارية.
وليس المزايدات، بل المرافعة المحكمة.
وليس استنساخ الخطابات، بل بناء جبهة مجتمعية واسعة تقول إن الإنصاف لا ينتقص من الدولة، بل يقويها.
من أين يبدأ الحل؟
الفرصة الحقيقية ليست في انتظار مبادرة فردية جديدة، بل في خلق مسار متكامل يجمع بين:
- الملتمس القانوني.
- العريضة الشعبية.
- المرافعة الحقوقية.
- التغطية الإعلامية الرصينة.
- الترافع البرلماني المستمر.
بهذا فقط يمكن نقل الملف من خانة “المتابعة من بعيد” إلى خانة الفعل الجماعي المنظم.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: لماذا لم ينجح مقترح العفو العام؟
بل أيضًا: متى يتحول التعاطف إلى مبادرة وطنية تضغط من أجل حل عادل ومنصف؟
مذكرة قانونية مبسطة
العنوان:
مذكرة قانونية مبسطة بشأن سبل الترافع من أجل الإفراج عن معتقلي حراك الريف
أولًا: طبيعة الملف
ملف معتقلي حراك الريف يثير أسئلة متصلة بالحقوق والحريات العامة، وبخاصة الحق في التعبير، الحق في الاحتجاج السلمي، الحق في المحاكمة العادلة، والحق في الإنصاف.
كما أن استمرار العقوبات الثقيلة يجعل الملف قابلًا للمعالجة من أكثر من زاوية: سياسية، حقوقية، وإنسانية.
ثانيًا: ما هي المسارات الممكنة؟
- العفو الملكي:
هو مسار سيادي يمكن أن يشمل بعض أو كل المحكوم عليهم، وفق تقدير السلطة المختصة، وهو لا يحتاج إلى تعديل تشريعي. - العفو العام:
هو مسار تشريعي يمر عبر البرلمان، ويتطلب مبادرة سياسية وتوافقًا واسعًا بين الفرق البرلمانية. - مراجعة المقاربة القضائية أو الحقوقية:
عبر الترافع حول ظروف المحاكمة، والتناسب بين الفعل والعقوبة، والاعتبارات الإنسانية والاجتماعية. - الملتمس الشعبي المنظم:
لا يُلزم قانونًا بذاته، لكنه يشكل أداة ضغط سلمية مشروعة إذا صيغ باحترام ودقة.
ثالثًا: ما الذي يجب أن يتضمنه أي ملتمس؟
- التعريف بالجهة المبادرة.
- تحديد موضوع الطلب بشكل واضح.
- عرض موجز للأسباب القانونية والإنسانية.
- المطالبة بصيغة محددة: عفو، مراجعة، أو مبادرة تشريعية.
- لائحة الموقعين والبيانات الأساسية.
- احترام اللغة القانونية وعدم استعمال عبارات قد تفهم كتشهير أو تحريض.
رابعًا: لماذا هذه المذكرة مهمة؟
لأن أي حملة ناجحة تحتاج إلى الانتقال من الانفعال إلى التنظيم.
المذكرة القانونية تجعل المبادرة مفهومة لدى الرأي العام، ومقنعة لدى الفاعلين، وقابلة للتداول لدى المحامين والحقوقيين والنواب.
خامسًا: توصية عملية
الأفضل أن تُبنى الحملة على ثلاث طبقات:
- طبقة قانونية: صياغة دقيقة ومهنية.
- طبقة حقوقية: إبراز الكرامة والإنصاف.
- طبقة مجتمعية: جمع توقيعات من مختلف الفئات والجهات.















