أمستردام — في الواحد والعشرين من شهر أكتوبر لعام ألفين وستة وعشرين، اهتزت العاصمة الهولندية أمستردام على وقع واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الشابة هاجار، البالغة من العمر تسعة وعشرين ربيعاً، وسط عاصفة من الانتقادات الحادة التي وجهتها عائلتها لأجهزة الشرطة بسبب ما اعتبرته تقاعساً خطيراً في التعامل مع بلاغات التفتيش والبحث في الساعات الأولى لاختفتائها. وقد كشفت المعطيات الموثقة التي جمعها فريق التحقيق عن تفاصيل دقيقة ومؤلمة تضع المؤسسة الأمنية أمام مساءلة حقيقية حول مدى نجاعة التدخلات الاستباقية في حالات التهديد المباشر للسلامة الجسدية.
رسالة الاستغاثة الأخيرة والتجاهل الأمني الأول
بدأت فصول المأساة في الرابع من أكتوبر، حين تلقت عائلة الضحية رسائل نصية عبر تطبيق واتساب تقشعر لها الأبدان، كانت فيها هاجار تستغيث طلباً للنجدة بعبارات صريحة ومباشرة تفيد بتعرضها لخطر موت محقق. ورغم خطورة الرسائل التي أُرسلت في حدود الحادية عشرة وربع صباحاً، إلا أن السلطات الأمنية لم تتعامل مع البلاغ بالسرعة والدقة المطلوبة فور تلقيه من طرف أفراد الأسرة في نفس اليوم، بحجة عدم توفر مؤشرات كافية ترقى لتصنيف Vermissing كحالة عاجلة تستدعي الاستنفار القصوى.
وأوضحت مصادر مقربة من التحقيق أن العائلة اصطدمت ببيروقراطية مقلقة عند محاولتها استنفار الجهات المختصة، حيث أُبلغت خطأ بوجود قاعدة تنظيمية تحتم انتظار مرور أربع وعشرين ساعة كاملة قبل الشروع في عمليات البحث الميداني المكثف، وهو الأمر الذي نفته قيادة الشرطة لاحقاً في بيانات رسمية محاولة احتواء الغضب العارم الذي اجتاح الرأي العام الهولندي بعد الكشف عن هذه التفاصيل المروعة التي سبقت وقوع الجريمة الفظيعة.
تتبع الهاتف المحمول والجدل حول توقيت التدخل
توسعت دائرة الشكوك حول كفاءة التحقيقات الأولية بعدما تبيّن أن الهاتف المحمول للضحية ظل قابلاً للاتصال والتقاط الإشارات لثلاثة أيام متتالية بعد اختفائها المريب، الأمر الذي دفع عائلة الضحية ومحاميها للتساؤل علناً عن سبب عجز المحققين عن تحديد مكان تواجدها بدقة عبر تقنيات التعقب الرقمي الحديثة التي تمتلكها الأجهزة الأمنية. وفي المقابل، دافعت الشرطة عن تحركاتها بالقول إن عمليات التتبع قادتهم بالفعل إلى تمشيط عقار مشبوه في منطقة بويتنفلدرت خلال تلك الليلة، دون أن يسفر التفتيش الميداني عن رصد أي أثر لهاجار أو لهاتفها الخلوي.
وفي خضم هذه التجاذبات المستمرة بين رواية العائلة المكلومة والتبريرات الرسمية الصادرة عن المديرية العامة للشرطة، ظلت الأسئلة المعلقة تفرض نفسها بقوة حول الأسباب الحقيقية التي أخرت صدور النداء الجماهيري العام للبحث عن المفقودة حتى الثالث عشر من أكتوبر، أي بعد مضي تسعة أيام كاملة على إطلاق صرخات الاستغاثة الأولى، وهي الفجوة الزمنية التي يعتقد المحققون أنها كانت حاسمة في مصير الضحية.
العثور على الجثة وسقوط المشتبه فيه الرئيسي
توالت الأحداث بسرعة متسارعة عندما قادت الصدفة المحضة أحد المارة في السادس عشر من أكتوبر لاكتشاف حقيبة مشبوهة طافية فوق مياه قناة أمستلدايك، ليتبين لاحقاً أنها تحتضن جثة هاجار الهامدة، وهو الاكتشاف الذي حول مسار القضية برمتها من مجرد تحقيق في اختفاء غامض إلى تحقيق معمق في جريمة قتل مقرونة باحتجاز وتعذيب أشرفت عليها فرقة الجرائم الكبرى بحرفية عالية.
وفي تطور لاحق وحاسم على درب فك لغز الجريمة، ألقت مصالح الأمن القبض على شاب يبلغ من العمر ثلاثة وعشرين عاماً يُدعى أبدي أ.، والذي كان قد استُمع إليه أصلاً كشاهد في النازلة قبل أن تقود الأدلة الجنائية المتاعب الميدانية اللاحقة لتغيير صفته القانونية إلى مشتبه رئيسي بارتكاب الجريمة النكراء داخل عقار مهجور في شارع دي كلينكي، ليمثل أمام قاضي التحقيق وسط ترقب شعبي وإعلامي واسع لمحاسبة المتورطين.
تُظهر هذه النازلة الأليمة حجم الثغرات الإدارية والبشرية المحتملة في منظومة التعامل مع التهديدات العاجلة، بينما يترقب الشارع الهولندي جلسات القضاء بفارغ الصبر لجلاء الحقيقة الكاملة وتحقيق العدالة لروح هاجار وعائلتها المكلومة.



















