سقطة دستورية أم حكومة بواجهة جديدة؟ محمد زيان يفتح النار على حكومة المنصوري وقانون مالية 2027

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
سقطة دستورية أم حكومة بواجهة جديدة؟ محمد زيان يفتح النار على حكومة المنصوري وقانون مالية 2027
بقلم: رشيد البراني

أثار المنشور المنسوب إلى النقيب محمد زيان، المعتقل السياسي ووزير حقوق الإنسان الأسبق، نقاشا واسعا حول مدى احترام الحكومة الجديدة للمساطر الدستورية، وحول حقيقة انتقال السلطة السياسية من حكومة إلى أخرى، أم الاكتفاء بتغيير الواجهات مع استمرار الاختيارات نفسها.

ويتمحور المنشور حول سؤال مركزي: هل كان من الممكن للحكومة الجديدة أن تتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية لسنة 2027 قبل حصولها على ثقة مجلس النواب؟

سؤال حول التوقيت الدستوري

يستند زيان في انتقاده إلى الفصلين 49 و92 من الدستور. فالفصل 49 يحدد اختصاصات المجلس الوزاري، ومن بينها التداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، بينما ينظم الفصل 92 عمل مجلس الحكومة وتداوله في السياسات العامة والسياسات القطاعية.

ويرى صاحب المنشور أن ترتيب هذه الإجراءات يثير إشكالا دستوريا، خصوصا إذا كانت الحكومة الجديدة لم تحصل بعد على ثقة مجلس النواب عبر التصويت بالأغلبية المطلقة على برنامجها الحكومي. وبناء على ذلك، يتساءل: أي حكومة حددت التوجهات العامة لقانون مالية ستتحمل الحكومة الجديدة مسؤولية تنفيذه؟

غير أن هذا الاستنتاج يحتاج إلى تدقيق قانوني ومؤسساتي قبل الجزم بوجود مخالفة دستورية. فالحكومة لا تبدأ وجودها السياسي والإداري بالضرورة من لحظة التصويت على برنامجها، كما أن انتقال السلطة لا يعني توقف الدولة عن إعداد القوانين والميزانيات. وقد تكون الحكومة الجديدة قد واصلت مسطرة أُعدت في عهد الحكومة السابقة، أو تولت استكمالها ضمن صلاحياتها الدستورية قبل التصويت على البرنامج.

لكن ذلك لا يلغي أهمية السؤال السياسي الذي يطرحه زيان: هل يتعلق الأمر بإجراء مؤسساتي عادي، أم بتمرير اختيارات حكومة سابقة إلى حكومة جديدة دون أن تمنح هذه الأخيرة فرصة إعادة صياغتها؟

حكومة جديدة أم امتداد للحكومة السابقة؟

ينتقد زيان الحكومة الجديدة باعتبارها، في جوهرها، حكومة قديمة بلباس جديد. ويرى أن التحالفات الحزبية الجديدة لم تُنتج تحولا حقيقيا في التوجهات، وأن انضمام أحزاب جديدة قد يكون مجرد إعادة ترتيب للواجهة السياسية، دون تغيير في الاختيارات الكبرى.

هذا الطرح يضع الحكومة أمام تحدي إثبات الاستقلال السياسي. فالمواطن لا يقيس التغيير بعدد الوزراء الجدد أو بتوزيع الحقائب بين الأحزاب، بل بما إذا كانت السياسات العمومية قد تغيرت فعلا في التشغيل، والصحة، والتعليم، والقدرة الشرائية، والعدالة الجبائية.

إذا بقيت الأولويات نفسها، وبقيت الإجراءات نفسها، وبقيت طريقة اتخاذ القرار نفسها، فإن تغيير الأسماء لن يكون كافيا لإقناع الرأي العام بأن مرحلة سياسية جديدة قد بدأت.

قانون المالية في قلب الخلاف

لا يمثل مشروع قانون المالية وثيقة تقنية فقط، بل يترجم اختيارات الدولة الاجتماعية والاقتصادية. فمن خلاله تحدد الحكومة من يدفع الضرائب، ومن يستفيد من الدعم، وأين توجه الاستثمارات، وكيف توزع الموارد العمومية.

ولهذا فإن أي نقاش حول التوجهات العامة لقانون المالية هو في الحقيقة نقاش حول شكل الدولة الاقتصادي والاجتماعي. هل ستستمر الأولوية للمشاريع الكبرى والاستثمارات المهيكلة؟ أم ستتجه الحكومة نحو تقليص الفوارق، ورفع الأجور، وتحسين الخدمات العمومية، وفرض مساهمة أكبر على القطاعات الأكثر ربحا؟

ينتقد زيان ما يعتبره استفادة محدودة لفئات وشركات كبرى من ارتفاع مداخيل قطاعات مثل السيارات والطيران والفوسفاط والأسمدة والسياحة، مقابل استمرار الضغط على الموظفين والأجراء والطبقة المتوسطة. كما يتساءل عن مدى مساهمة المستفيدين من النمو الاقتصادي في تمويل السياسة الاجتماعية.

وبصرف النظر عن دقة بعض المعطيات الواردة في المنشور، فإن جوهر السؤال مشروع: لماذا لا يتحول ارتفاع الإنتاج والصادرات إلى تحسن ملموس في دخل المواطنين وخدماتهم وفرص العمل؟

النمو لا يكفي

قد ترتفع الصادرات، ويزداد عدد السياح، وتتوسع صناعة السيارات والطيران، وتتغير أسعار الفوسفاط والأسمدة، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن الثروة توزع بعدالة.

النمو الاقتصادي لا يكتسب قيمته الاجتماعية إلا عندما ينعكس على:

  • فرص شغل مستقرة؛
  • أجور قادرة على مواجهة الغلاء؛
  • خدمات صحية وتعليمية ذات جودة؛
  • نظام ضريبي أكثر عدالة؛
  • حماية اجتماعية تصل إلى الفئات الهشة؛
  • تنمية متوازنة بين المدن والقرى والجهات.

أما إذا استفادت فئات محدودة من الأرباح، بينما تحمل الأجراء والموظفون والطبقة الوسطى كلفة التضخم والضرائب غير المباشرة، فإن الحديث عن النمو يبقى ناقصا، بل قد يتحول إلى مصدر جديد للاحتقان.

التصويت العقابي والعزوف

يربط المنشور بين نتائج الانتخابات الأخيرة وبين ما يسميه تصويتا عقابيا ضد الحكومة السابقة. ويعتبر أن ارتفاع العزوف، وكثرة الأوراق الملغاة، وصعود أحزاب أخرى، كلها مؤشرات على رفض جزء من الناخبين للسياسات السابقة.

لكن قراءة الانتخابات تحتاج إلى بيانات رسمية دقيقة حول نسب المشاركة، وعدد الأوراق الملغاة، وتوزيع الأصوات والمقاعد. كما أن التصويت لحزب معين لا يعني بالضرورة موقفا موحدا من كل سياسات الحكومة السابقة، فقد يكون نتيجة تحالفات محلية أو اعتبارات انتخابية أو رغبة في التغيير.

ومع ذلك، تبقى الرسالة السياسية واضحة: كل حكومة تتجاهل إشارات الغضب الانتخابي تخاطر بفقدان الثقة، حتى لو احتفظت بالأغلبية البرلمانية.

بين النقد السياسي والحكم القانوني

ينبغي التمييز بين مستويين في منشور زيان:

  • المستوى الدستوري: يحتاج إلى فحص دقيق للتواريخ، وطبيعة الإجراءات التي اتُّخذت، والصفة القانونية للحكومة في كل مرحلة، وما إذا كان انعقاد المجلس الوزاري أو مجلس الحكومة قد تم وفق الشروط المطلوبة.
  • المستوى السياسي: يتعلق باستمرار السياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، وبمدى قدرة الحكومة الجديدة على تقديم بديل واضح لا مجرد تغيير في الأسماء.

وحتى تثبت مخالفة دستورية بحكم أو رأي قانوني مؤسس، لا يمكن التعامل مع الادعاء باعتباره حقيقة نهائية. لكنه يظل سؤالا رقابيا جديا يستحق جوابا رسميا واضحا، لا التجاهل أو الاكتفاء بالتبرير السياسي.

المطلوب من الحكومة

أمام حكومة فاطمة الزهراء المنصوري فرصة لتبديد الشكوك عبر خطوات عملية:

  1. نشر الجدولة الزمنية الدقيقة لإعداد مشروع قانون المالية 2027.
  2. توضيح الحكومة التي أعدت التوجهات العامة الأولى للمشروع.
  3. بيان ما إذا كانت الحكومة الجديدة قد أدخلت تعديلات جوهرية عليها.
  4. تقديم برنامج حكومي يتضمن أهدافا قابلة للقياس في التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية.
  5. توضيح مساهمة الشركات الكبرى والقطاعات الأكثر ربحا في تمويل الدولة.
  6. تقديم تصور واضح لإعادة توزيع ثمار النمو وتقليص الفوارق الاجتماعية.
  7. تمكين البرلمان والرأي العام من مناقشة الخيارات المالية قبل اعتمادها النهائي.

الخلاصة

المنشور المنسوب إلى محمد زيان لا يطرح مجرد خلاف حول تاريخ اجتماع أو إجراء برلماني، بل يفتح نقاشا أوسع حول معنى التغيير الحكومي في المغرب. فهل جاءت الحكومة الجديدة بسياسات جديدة، أم أنها ورثت اختيارات سابقتها وتستعد لمواصلة تنفيذها؟

الجواب لن تقدمه الخطب ولا تغيير الوجوه، بل سيظهر في قانون المالية، وفي حجم الدعم الاجتماعي، وفي عدد فرص الشغل، وفي قدرة الدولة على فرض عدالة ضريبية، وفي مدى احترام المؤسسات للمساطر الدستورية.

أما السؤال الأهم، فيبقى: هل ستثبت حكومة المنصوري أنها حكومة قرار واختيار، أم أنها ستكتفي بإدارة سياسات وُضعت قبل وصولها إلى السلطة؟

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق