قراءة في تهافت الخطاب الإعلامي التشكيكي: كيف دحضت المسطرة الجنائية وسجلات القضاء ادعاءات التسجيل المنسوب للمهداوي في قضية فاطمة السعدي؟

بين صرامة النصوص ومتاهات الإثارة: حين يُختبر وعي المواطن أمام النزاعات القضائية وتدبير الشأن العام المحلي

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
قراءة في تهافت الخطاب الإعلامي التشكيكي: كيف دحضت المسطرة الجنائية وسجلات القضاء ادعاءات التسجيل المنسوب للمهداوي في قضية فاطمة السعدي؟
بقلم: رشيد البراني

يقف المواطن في أزقة المدن المغربية وتخومها المنسية أمام معادلة يومية بالغة التعقيد، تتجاوز في جوهرها مجرد متابعة سجال إعلامي أو الاستماع إلى مقطع صوتي عابر؛ إذ تتمثل أولويته الحقيقية في حقه الطبيعي في مرفق عمومي ناجز، وممر سالك لأطفاله، ومؤسسات تترجم مبادئ دولة القانون إلى أمن قضائي ملموس. وحين تندلع معارك التشكيك عبر الفضاء الرقمي، يجد هذا المواطن نفسه عالقاً بين رغبة مشروعة في الشفافية واليقين، وبين سيل جارف من الروايات التبسيطية التي تسعى إلى تحويل أدق المساطر الجنائية وأعقدها إلى دراما استعراضية تغذي الشك العام وتصرف الانتباه عن جوهر الإصلاح الحقيقي ومكتسبات التنمية الميدانية.

إن الخطورة التي ترافق هذا النوع من الخطابات لا تكمن فقط في اجتزاء النصوص القانونية، بل في تقويض ثقة الفئات المجتمعية في المسار المؤسساتي الذي يفترض أن يحمي حقوق الجميع على قدم المساواة. فالأسر التي تنتظر من مجالسها المنتخبة فتح الطرقات وفك العزلة وتحرير الملك العام من التطاول، تجد ذاتها مدفوعة نحو حيرة عميقة حين يتحول تطبيق قرار إداري تنظيمي إلى مادة للمزايدة الشعبوية، حيث يُصوَّر القاضي الذي يطبق مسطرة النقض بحذافيرها كأنه متهاون، ويُختزل تقدير النيابة العامة لحدود الدعوى العمومية في خانة التواطؤ، مما يترك أثراً بالغ السلبية على الاستقرار النفسي والاجتماعي للساكنة المعنية بتدبير شأنها المحلي.

تعود جذور القضية المثارة في التسجيل المنسوب للصحفي حميد المهداوي إلى نزاع إداري وتنظيمي ارتبط بمدينة الحسيمة، حيث باشر المجلس الجماعي برئاسة فاطمة السعدي مهامه المسندة إليه في إطار ممارسة الشرطة الإدارية المتعلقة بتنظيم المجال العام وحماية المرافق المشتركة. وقد تجلى ذلك عملياً في اتخاذ قرار يقضي بهدم وإزالة سياج شُيّد فوق وعاء يمثل احتلالاً للملك الجماعي، بهدف فتح ممر ومسلك طرقي ييسر حركة المواطنين وينهي حالة انسداد عمراني كانت تعرقل تنقل الساكنة اليومي، وهو إجراء إداري اعتيادي يندرج صلب الصلاحيات التدبيرية للمجالس المنتخبة وفق القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.

وفي تطور لاحق لهذا الإجراء الميداني، اختار الطرف المتضرر من عملية الهدم—وهو مواطن تقلد سابقاً مهاماً في السلك القضائي—أن يسلك مساراً جنائياً مباشراً، فبادر إلى وضع شكاية مباشرة أمام المحكمة الابتدائية بالحسيمة في مواجهة رئيسة المجلس الجماعي وأحد الأعضاء، متهماً إياهما بارتكاب أفعال تستوجب المؤاخذة الجنائية. وقد أصدرت المحكمة الابتدائية حينها حكماً يقضي ببراءة رئيسة الجماعة وعدم الاختصاص في المطالب المدنية، لتدخل القضية بعد ذلك منعرجاً إجرائياً معقداً ارتبط باستئناف الطرف المدني منفرداً دون طعن النيابة العامة، وهو المسار الذي أفرز تالياً قراراً استئنافياً بالإدانة، سرعان ما ألغته محكمة النقض بالرباط عبر قرارها الحاسم عدد 1/80 الصادر في 25 يناير 2017، الذي رسخ حدود الأثر الناشر للاستئناف وقضى بإحالة الملف على هيئة جديدة أيدت البراءة بقرار نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به.

تُظهر المقارنة التحليلية بين الخطاب الذي حمله التسجيل الصوتي المتداول وبين السجلات الإجرائية الرسمية فارقاً شاسعاً بين الادعاء التعبوي والواقع القانوني. فبينما يعد الخطاب التشكيكي جمهوره بتقديم “كشف حصري” لفضائح التقصير والحماية الفوقية المزعومة، تكشف الوثائق المسطرية ومضامين المواد القانونية عن تطبيق منضبط لروح المسطرة الجنائية المغربية وقواعد الاختصاص؛ إذ إن غياب استئناف وكيل الملك لحكم البراءة لم يكن تراجعاً عن صيانة الحق العام، بل تجسيداً لحقيقة أن النيابة العامة لم تكن هي من حركت المتابعة ابتداءً، وأن النزاع برمته ذو طبيعة إدارية تنظيمية انتفى فيه القصد الجنائي لمسؤولة جماعية تطبق قرارات مرفقية.

كما يتجلى الخلل المنهجي في تحميل الهيئة القضائية الاستئنافية الثانية تهمة الضعف المهني، متجاهلاً أن القضاة كانوا مقيدين وجوباً بمنطوق قرار محكمة النقض الذي جرّد محكمة الاستئناف من صلاحية معاقبة المتهم جنائياً طالما أن الاستئناف قاصر على المطالب بالحق المدني وفق صريح المادة 410 من قانون المسطرة الجنائية. والجدول التالي يوضح بجلاء التباين الصارخ بين الرواية التشكيكية والواقع المؤسساتي المدعوم بالوثائق:

الوعد المعلن في الخطابالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرض والوثائقالفارق ومؤشر الأداء المهني
إثبات وجود حماية قضائية غير مبررة عبر تخلي وكيل الملك عن واجبه في استئناف البراءةمروجو التسجيل الصوتي التشكيكيانطلاق القضية بشكاية مباشرة مدنية؛ النيابة العامة ليست طرفاً أصيلاً لتحرك الاستئناف جنائياًخلط منهجي فادح بين الدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة طبقا للمادة 410 م.ج
تصوير قرار محكمة الاستئناف المؤيد للبراءة كخطأ مهني جسيم وضعف في التكوينصاحب الرواية التشكيكيةامتثال قضائي صارم لقرار محكمة النقض (عدد 1/80) الذي ألغى الإدانة لخرقها الأثر الناشرتجاهل مبدأ حجية قرارات أعلى هيئة قضائية ومحاولة لنسف أسس الأمن القانوني
إضفاء الطابع الجرمي والاعتداء على قرار فتح ممر عمومي للمواطنينصناع الخطاب التعبوي الرقميقرار تنظيمي إداري لحماية الملك الجماعي وفتح منافذ السير لساكنة الحسيمةتحويل ممارسة اختصاصات الشرطة الإدارية لخدمة المجتمع إلى جناية قصدية مفترضة

إن أخطر ما يفرزه ترويج هذه التأويلات الإجرائية المضللة هو إضعاف قدرة المنتخبين ومسؤولي الإدارة الترابية على اتخاذ القرارات الشجاعة والضرورية لخدمة الصالح العام؛ فحين يشاهد الفاعل المحلي أن اتخاذ قرار إداري لتطهير الملك العام وفتح شريان طرقي يستفيد منه السكان الصغار وأصحاب المتاجر البسيطة قد يتحول إلى مقصلة للتشهير وتهم جاهزة بالفساد، يفضل الانكفاء الإداري وتأجيل التدخلات الإصلاحية. هذا التردد ينعكس بصورة فورية على المعيش اليومي للمواطنين، حيث تتعطل مشاريع تأهيل الأحياء وتتفاقم ظواهر الترامي على الأرصفة والطرقات المشتركة خوفاً من التبعات الإعلامية المسمومة.

ويمتد هذا الأثر السلبي إلى ثقة المقاولات المحلية والفاعلين الاقتصاديين والمهنيين في بيئة الاستثمار المحلي؛ فالمجتمع يحتاج إلى بيئة قضائية وإدارية مستقرة يطمئن فيها الجميع إلى أن المساطر القانونية تُقرأ وفق النصوص المرجعية الصريحة لا وفق أهواء المنصات الرقمية. وعندما يُختزل تطبيق قواعد النقض وحجية الأحكام النهائية في صورة “تسويات خفية”، فإن الرسالة الضمنية التي تصل إلى المواطن العادي هي تآكل حقه في الاحتكام إلى مؤسسات نزيهة، مما يعزز مناخ الشك والعدمية ويعرقل انخراط الأفراد في المبادرات التنموية الجماعية التي تحتاج أساساً إلى الثقة المتبادلة.

في مقابل هذا الطرح، تُقدم المؤسسات القضائية والإدارية المعنية بالملف دفوعاً قانونية متماسكة تستند إلى حرفية النصوص الإجرائية ومحاضر الجلسات. وتؤكد هذه الأطراف أن النيابة العامة، حين قررت عدم تبني الشكاية المباشرة باستئناف حكم البراءة الابتدائي، مارست سلطتها التقديرية المشروعة بحياد مؤسساتي كامل؛ إذ عاينت أن الفعل المنسوب لرئيسة المجلس الجماعي يفتقر إلى الركن المعنوي الجرمي ويندرج بالكامل ضمن اختصاصات تدبير الأملاك العامة وتطبيق تدابير الشرطة الإدارية القابلة للطعن أمام القضاء الإداري لا الجنائي.

وتشدد المصادر القضائية ذاتها على أن قرار محكمة النقض رقم 1/80 حسم الجدل المسطري بشكل لا يقبل التأويل؛ فالأثر الناشر للطعن بالاستئناف محكوم حصراً بهوية المستأنف ومطالبه. ولما كان المستأنف هو الطرف المدني وحده، فإن الهيئة القضائية التي أيدت البراءة لاحقاً لم تكن تملك أدنى سلطة لتغيير المركز الجنائي للمتهمة نحو الإدانة، انسجاماً مع القاعدة الأصولية التي تمنع الإضرار بالطاعن من استئنافه كما تمنع معاقبة متهم برئ بحكم ابتدائي دون استئناف من ممثل الحق العام. وبذلك فإن إصدار شهادة عدم الطعن بالنقض عدد 2019/640 يُعد تتويجاً لمسار قضائي مكتمل استنفد جميع درجات التقاضي في كنف الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة.

تتوزع المسؤولية في هذا السياق على مستويين متداخلين؛ يرتبط المستوى الأول بضعف آليات التواصل المؤسساتي السريع والمبسط لدى الهيئات القضائية والإدارية، إذ يترك الصمت أو التأخر في شرح حيثيات الأحكام الكبرى والقرارات ذات الصدى المجتمعي فراغاً واسعاً تسارع بعض الخطابات السطحية إلى ملئه بروايات تعبوية غير دقيقة. إن عجز المؤسسات عن تحويل التعقيد المسطري للمادة 410 من قانون المسطرة الجنائية إلى إيضاح عمومي مفهوم هو ما يسمح باستغلال هذه الوقائع لتحريف وعي الرأي العام وتشويش أولوياته.

أما المستوى الثاني من المسؤولية، فيقع مباشرة على عاتق الممارسة الصحفية والإعلامية التي تنزلق نحو التناول الاستعراضي الفاقد لضوابط التحقيق والتدقيق القانوني. إن الصحافة التي يُفترض فيها تنوير المواطن بحقيقة ما يجري تسقط أحياناً في فخ البحث عن التفاعل الرقمي اللحظي على حساب الأمانة المهنية؛ فالقفز فوق قرار صادر عن محكمة النقض وتجاهل طبيعة “الشكاية المباشرة” كأداة للمطالب بالحق المدني وحده ليس مجرد هفوة عابرة، بل خلل مهني جسيم يساهم في تضليل المتلقي وتقديمه وجبة جاهزة من الإثارة بدل تزويده بالمعرفة النقدية البنّاءة.

يقتضي إصلاح هذه الفجوة العمل على مسارين متكاملين لحماية الفضاء العام من التزييف المسطري؛ يتطلب المسار المؤسساتي تعزيز مكاتب التواصل القضائي داخل المحاكم، وتمكينها من إصدار مذكرات توضيحية بلغة صحفية رصينة ومبسطة فور صدور القرارات النهائية في القضايا التي تشغل اهتمام الجمهور. إن توضيح القواعد الإجرائية المعقدة—مثل الأثر الناشر للطعون والفرق بين الدعوى العمومية والمدنية—يُجهض في مهده أي محاولة لبناء سرديات تضليلية تدعي كشف مؤامرات وهمية داخل أروقة قصر العدالة.

وفي المسار المقابل، تبرز الحاجة الملحة إلى تأهيل التكوين القانوني للصحفيين والمحللين المشتغلين بالشأن القضائي والسياسي، وربط ممارسة حرية التعبير بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية الصارمة. يجب أن تدرك المنابر الإعلامية أن استهلاك الملفات القضائية في قوالب تحريضية لا يخدم حق المجتمع في المحاسبة، بل يعطل مساراتها الحقيقية؛ ولذلك يتعين تطوير ممارسات التحقق الذاتي ومساءلة الفاعلين الإعلاميين لأنفسهم قبل نشر تسجيلات أو استنتاجات تفتقر إلى الحد الأدنى من التحري في السجلات القضائية الرسمية والمستندات الدامغة.

إن المعركة الحقيقية التي يحتاجها الوطن لا تُخاض باختلاق الخصومات الوهمية وتشويه المساطر الإجرائية السليمة، بل بترسيخ ثقافة الرقابة المدنية والمؤسساتية الرصينة التي تميز بوضوح بين النقد البنّاء لسياسات الشأن العام وبين الطعن المجاني في حجية الأحكام القضائية المستقرة. يحتاج المواطن إلى رئيس جماعة يملك الجرأة لفتح الممرات وصيانة المرافق المشتركة دون خشية من التشهير، بقدر ما يحتاج إلى قضاء مستقل يزن الدفوع بميزان القانون لا بضغط التسجيلات الصوتية وحملات الاستقطاب.

إن الانتصار لقضايا المجتمع يبدأ من احترام المؤسسات وسيادة القانون، فالمحاسبة الحقيقية لا تكون بالصراخ ولا باللجوء إلى استنتاجات اجتزائية تضر بالأمن القضائي للمملكة. وحين يتمكن الرأي العام من التمييز بين الإعلام الاستقصائي المهني الساعي إلى كشف الاختلالات بحجج لا تقبل الدحض، وبين الخطاب الإثاري الذي يعتاش على الخلط المسطري والمزايدات، نكون قد خطونا خطوة حاسمة نحو نهوض مجتمعي واعٍ، تكون فيه الغلبة دائماً لدولة المؤسسات، وللمصلحة العليا للمواطنين في كل ربوع المغرب.

المصدر متابعات قضائية ومحلية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق