تتطلب قراءة المشهد السياسي والاقتصادي الراهن في المغرب تجاوز الخطابات الظاهرية نحو تفكيك البنيات الخفية التي توجه السياسات العمومية. وفي هذا السياق، جاءت التصريحات الأخيرة لرئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، لتفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الجهاز التنفيذي على ترجمة الشعارات إلى سياسات عملية تمس المعيش اليومي للمواطنين، لا سيما في ظل تراكم اختلالات بنيوية أفرزتها سنوات من التدبير الكلاسيكي للمال العام والموارد الاقتصادية.
الخيط الأول: كيف بدأت القضية؟
انطلقت شرارة النقاش العمومي حول تقاطع السلطة والمال عقب تقارير متطابقة صادرة عن هيئات رقابية رسمية، فضلاً عن شكاوى مهنية رفعتها مقاولات صغرى ومتوسطة تشتكي من غياب تكافؤ الفرص واستفادة شبكات نفوذ ضيقة من الصفقات العمومية والدعم الموجه. هذه المؤشرات وضعت الحكومة تحت مجهر الرأي العام والفاعلين الاقتصاديين، مما فرض على السلطة التنفيذية الخروج عن صمتها وتقديم إجابات واضحة تحاول قطع الطريق أمام منطق الامتيازات والمحاباة المعروف بـباك صاحبي، والذي طالما شكل عائقاً أمام التنمية العادلة والمنصفة للمجال الترابي.
ما تكشفه الوثائق والمستندات
بالرجوع إلى السجلات الإدارية ودفاتر التحملات الخاصة بعدد من الصفقات والبرامج الموجهة لدعم المقاولات والعالم القروي، تتضح بجلاء الهوة السحيقة بين النوايا المعلنة والإكراهات الميدانية. تفيد المعطيات المستقاة من تقارير المجلس الأعلى للحسابات والمفتشيات العامة أن الدعم العمومي كان يوجه في كثير من الأحيان نحو قطاعات ريعية لا تخلق قيمة مضافة فعلية على مستوى التشغيل أو النمو المستدام. وتشير الوثائق إلى أن إشكالية الولوج إلى العقار والتمويل ظلت حكراً على لوبيات محددة قادرة على تطويع المساطر الإدارية لمصالحها الخاصة، وهو ما حاول التصريح الأخير للمنصوري الإقرار به عبر التلويح بتغيير جذري في منظومة التراخيص وتبسيط المساطر بعيداً عن منطق القرب المصلحي.
توسيع الدائرة: من تأثر ومن استفاد؟
لم تقتصر تداعيات هذا الخلل البنيوي على الجانب المالي فحسب، بل امتدت لتضرب في عمق القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة التي وجدت نفسها محاصرة بين سندان التضخم المستورد ومطرقة المضاربات المحلية. وفي الوقت الذي راكم فيه البعض ثروات طائلة مستفيدين من غياب الرقابة الصارمة في بعض مفاصل الاقتصاد الوطني، وجدت الأغلبية الصامتة نفسها تعاني من تآكل قدرتها الشرائية. وتحت ضغط التحولات الجيوسياسية الدولية، برزت الحاجة ملحة لإعادة توزيع الأعباء الاقتصادية بطريقة تضمن حماية الفئات المتضررة، وهو ما ترجمته رئيسة الحكومة برفضها القاطع لما سمته إغناء الأغنياء وتفقير الفقراء، في إشارة ضمنية إلى ضرورة مراجعة المنظومة الجبائية والدعم المباشر.
المواجهة وحق الرد
في محاولة لتأكيد الجدية والقطيعة مع الممارسات السابقة، تواصلنا مع مصادر حكومية مسؤولة للاستفسار عن الآليات العملية الكفيلة بتنفيذ هذه الوعود، حيث أكدت مصادرنا أن الحكومة واعية تماماً بحجم التحديات ولا ترتكن لخطاب العام زين. وأضافت المصادر ذاتها أن رئيسة الحكومة شددت في لقاءاتها الداخلية على ضرورة النزول إلى الميدان والتواصل المباشر مع المواطنين بعيداً عن الاستعراض الإعلامي. وفيما يخص قطاع السكن والعالم القروي، أقرت المصادر بوجود اختلالات واضحة، خصوصاً بعد فشل برامج دعم السكن في العالم القروي مقارنة بالمناطق الحضرية، مشددة على تحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية الكاملة في هذا الصدد دون تهرب أو تبرير.
ما الذي يبقى مسكوتاً عنه أو مجهولاً؟
على الرغم من الشجاعة الظاهرة في الاعتراف ببعض الإخفاقات، تظل هناك أسئلة معلقة تتطلب تتبعا دقيقا وملاحقة استقصائية مستمرة. من بين أبرز الملفات المسكوت عنها، نجد بطء تنزيل ورش الرقمنة الشاملة كآلية لمحاربة الرشوة وإغلاق منافذ الفساد الإداري، فضلاً عن غياب ضمانات فعلية لمواكبة مغاربة العالم بالشكل الذي يقطع مع البيروقراطية القنصلية والإدارية التي لطالما اشتكوا منها. كما أن استمرار هيمنة المقاربة الفلاحية التقليدية على برامج التنمية القروية لسنوات طويلة دون إحداث التغيير المنشود يطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة السياسات القطاعية وغياب التنسيق بين المتدخلين العموميين.
خلاصة التحقيق والمسارات القانونية المنتظرة
يخلص هذا التحقيق إلى أن نجاح أي سياسة حكومية ترمي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية يظل رهيناً بمدى إرادة الجهاز التنفيذي في تفعيل آليات الرقابة والمحاسبة بصرامة دون استثناء لأحد. إن تصريحات المنصوري، بقدر ما تحمل من إشارات إيجابية نحو القطيعة مع الماضي وشبهات المحاباة، فإنها تظل مجرد وعود ما لم يتم إقرانها بقرارات جريئة تحيل المخالفين على القضاء وتسترجع الأموال المنهوبة أو المستفاد منها بغير حق. وتبقى الهيئات الرقابية والبرلمان والمجتمع المدني مطالبة بمواصلة الضغط لضمان عدم إفلات أي متورط من المساءلة، حتى تتحول شعارات محاربة الريع إلى واقع ملموس يشعر به المواطن البسيط في حياته اليومية.



















