بعد نحو عشر سنوات على اعتقالات حراك الريف، ما زال ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق ورفاقهما يقضون أحكاما طويلة خلف القضبان. ومع وصول حكومة جديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، يعود السؤال القديم نفسه: هل ستواصل الدولة إدارة هذا الملف بالصمت، أم تمتلك شجاعة طيّه سياسيا وحقوقيا؟
ملف لم ينتهِ
اندلعت احتجاجات الريف بعد وفاة محسن فكري في الحسيمة سنة 2016، حين لقي مصرعه داخل شاحنة نفايات أثناء محاولته استرجاع بضاعته المصادرة. سرعان ما تحولت الحادثة إلى حركة احتجاجية واسعة رفعت مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية، من بينها تحسين الصحة والتعليم والبنية التحتية وفرص العمل، ومحاسبة المسؤولين عن الاختلالات.
لكن المقاربة الأمنية غلبت على الحوار. واعتُقل عدد من قادة الحراك ونشطائه بين 2017 و2018، ثم صدرت في حق بعضهم أحكام وصلت إلى 20 سنة سجنا. وتقول هيومن رايتس ووتش إن نحو 40 من معتقلي الحراك ظلوا في السجن، بينهم ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق، رغم الأحكام الطويلة والادعاءات المتعلقة بانتزاع اعترافات تحت التعذيب.
اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، لم يعد السؤال مرتبطا فقط بملابسات الاعتقال أو بصحة الأحكام، بل أصبح متصلا بقدرة الدولة على إنهاء جرح سياسي واجتماعي ما زال مفتوحا.
حكم أم أزمة ثقة؟
تؤكد السلطات أن المعتقلين أدينوا بموجب أحكام قضائية، وأن استقلال القضاء يمنع الحكومة من التدخل في الملفات المعروضة أو المحسومة أمام المحاكم. وهذا من حيث المبدأ صحيح: لا يجوز للسلطة التنفيذية أن تلغي أحكاما قضائية بقرار إداري.
لكن إنهاء الملف لا يستلزم بالضرورة التدخل في القضاء. فهناك آليات أخرى، من بينها العفو، والإفراج لأسباب إنسانية، والمراجعة القانونية، وفتح حوار سياسي مع العائلات والفعاليات المدنية، فضلا عن التحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة. كما أن معالجة آثار الاحتجاجات لا تعني تبرئة أي شخص خارج المساطر القانونية، بل تعني الاعتراف بأن الملف تجاوز حدود المحاكم وأصبح قضية ثقة بين الدولة والمجتمع.
وقد خلص فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، في رأي اعتمد في 30 غشت 2024، إلى أن احتجاز ناصر الزفزافي تعسفي، ودعا السلطات المغربية إلى الإفراج عنه فورا ومنحه جبر الضرر، مع الإشارة إلى انتهاكات مرتبطة بالتعبير والمحاكمة العادلة وادعاءات التعذيب.
الحكومات تتغير… والملف ثابت
تعاقبت الحكومات، وتبدلت الأغلبية والوزراء، لكن المقاربة الرسمية للملف ظلت ثابتة تقريبا: انتظار الصمت، أو التعويل على مرور الزمن، أو الاكتفاء بقرارات عفو لا تشمل قادة الحراك.
وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن عفوا ملكيا شمل آلاف الأشخاص في مناسبات مختلفة، لكنه ترك معتقلي حراك الريف الذين يقضون أحكاما تصل إلى 20 سنة خلف القضبان. وفي 2026، أُعلن عن عفو شمل 935 شخصا في مناسبة وطنية، ثم 667 شخصا بمناسبة عيد الشباب، من دون أن تظهر في المعطيات المنشورة إشارة إلى إنهاء ملف قادة الحراك.
هذه المفارقة تطرح سؤالا سياسيا لا يمكن تجاهله: إذا كانت الدولة قادرة على اتخاذ قرارات واسعة للإفراج عن سجناء، فلماذا يبقى هذا الملف بالذات خارج أي مبادرة للمصالحة؟
حكومة المنصوري أمام اختبار حقيقي
دعت منظمات مدنية وحقوقية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري إلى إطلاق سراح معتقلي الحراكات الاجتماعية المرتبطين بالتعبير والاحتجاج السلميين، واعتبرت أن ذلك يمكن أن يسهم في تنقية الأجواء وتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولا يتعلق الأمر بمطلب صادر عن خصوم سياسيين فقط. فقد أصبح ملف المعتقلين جزءا من الذاكرة العامة للريف، ومن صورة المغرب الحقوقية، ومن علاقة المواطنين بالمؤسسات. وكل سنة إضافية يقضيها المعتقلون في السجن لا تطيل المعاناة الفردية فحسب، بل تعمق أيضا شعور عائلاتهم بأن الدولة لا تسمعهم.
وتدرك الحكومة الجديدة أن الحديث عن تجديد الثقة لا يستقيم مع تجاهل ملف يعتبره جزء واسع من المغاربة اختبارا للعدالة والإنصاف. فلا معنى لخطاب المشاركة السياسية إذا ظل الاحتجاج الاجتماعي يقود إلى أحكام قاسية، ثم يُترك المعتقلون وعائلاتهم لمواجهة الزمن وحدهم.
بين الشرعية القانونية والعدالة السياسية
تتمسك الدولة بالشرعية القضائية، بينما ترى عائلات المعتقلين وهيئات حقوقية أن المحاكمات شابتها خروقات وأن الأحكام كانت قاسية قياسا إلى طبيعة المطالب المرفوعة. ولا يمكن حل هذا التعارض بالشعارات.
الحل يبدأ بخطوات ملموسة:
- الإفراج الفوري عن الحالات الإنسانية والمرضية.
- فتح تحقيق مستقل في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
- تمكين المعتقلين من ضمانات المحاكمة العادلة ومراجعة الملفات عند توفر أساس قانوني.
- إطلاق حوار مع عائلات المعتقلين والفعاليات المدنية في الريف.
- اعتماد عفو شامل أو مبادرة قانونية تنهي الملف، إذا ثبت أن المتابعين لم يرتكبوا أفعالا عنيفة أو جرائم جسيمة.
- وضع آلية رسمية لمتابعة تنفيذ وعود التنمية والمصالحة في المنطقة.
هذه الإجراءات لا تلغي دور القضاء، بل تعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي: معالجة الأزمات التي لا تكفي الأحكام القضائية وحدها لإنهائها.
السؤال الذي يلاحق الدولة
لقد قضى ناصر الزفزافي سنوات من حكمه داخل السجن، وواصل تعليمه من خلف القضبان؛ فيما توفي والده أحمد الزفزافي في شتنبر 2025 قبل أن تتحقق أمنيته في رؤية ابنه حرا. كما تواصل عائلات المعتقلين التذكير بأن أبناءها يقضون ما يقارب عقدا في السجن.
فهل تريد الدولة أن يبقى هذا الملف شاهدا دائما على عجزها عن تحويل الاحتجاج إلى مصالحة؟ أم ستعتبر الحكومة الجديدة أن إغلاقه ليس تنازلا، بل استثمارا في الاستقرار والثقة؟
إن الإفراج عن المعتقلين، متى توفرت شروطه القانونية والسياسية، لن يكون انتصارا لفئة على حساب الدولة. بل يمكن أن يكون انتصارا للدولة على منطق القطيعة، ورسالة إلى الريف وإلى باقي المغاربة بأن المطالب الاجتماعية لا تُواجه إلى الأبد بالسجن، وأن المصالحة ليست شعارا موسميا.
بعد عقد تقريبا، لم يعد ممكنا التعامل مع معتقلي حراك الريف كملف أمني مؤجل. إنه ملف حقوقي وسياسي وإنساني، وامتحان صريح للحكومة الجديدة.
فإما أن تختار حكومة فاطمة الزهراء المنصوري الاستمرار في سياسة الصمت، فتورث الملف إلى حكومة أخرى وجيل آخر، وإما أن تفتح طريقا واضحا نحو الإفراج والمصالحة وجبر الضرر. وبين الخيارين، لا يتعلق الأمر بمصير المعتقلين وحدهم، بل بصورة الدولة عن نفسها: هل هي دولة تعاقب الاحتجاج، أم دولة قادرة على الاعتراف بالألم وتصحيح الأخطاء؟



















