تحقيق استقصائي: بوجلود في سوس.. بين أسطورة عبادة الشيطان وأصالة الفلكلور الأمازيغي

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
تحقيق استقصائي: بوجلود في سوس.. بين أسطورة عبادة الشيطان وأصالة الفلكلور الأمازيغي
بقلم: أنوار الإدريسي

تزامناً مع أيام عيد الأضحى، تتحول أزقة وساحات العديد من مدن وقرى منطقة سوس إلى مسارح مفتوحة لظاهرة متجذرة ومثيرة للجدل: بوجلود في سوس، أو ما يُعرف محلياً بـ “بيلماون”. شبان يرتدون جلود الأغنام والماعز، يغطون وجوههم بأقنعة غريبة، ويجوبون الشوارع في مشاهد تختلط فيها البهجة بالاستغراب. لكن في السنوات الأخيرة، تحول هذا الطقس من مجرد احتفال قروي عفوي إلى ساحة معركة فكرية واجتماعية افتراضية وميدانية.

يطرح هذا التحقيق الاستقصائي، عبر منصة “حسيمة سيتي”، سؤالاً محورياً يمس عمق الهوية والتحولات المجتمعية الوطنية: هل حقاً انحرفت ظاهرة بوجلود في سوس لتصبح غطاءً لممارسات توصف من قبل البعض بأنها طقوس دخيلة؟ أم أن الظاهرة تتعرض لحملة تشويه ممنهجة تستهدف فلكلوراً أمازيغياً ضارباً في القدم؟ من خلال البحث في الوثائق، والاستماع لعلماء الأنثروبولوجيا، وملاحقة الانتقادات الموجهة للظاهرة، نضع الحقائق المجردة أمام القارئ.

بداية الخيط: من طقس زراعي إلى قضية رأي عام

تاريخياً، ارتبطت ظاهرة بوجلود باحتفالات ما بعد عيد الأضحى. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الظاهرة تعود لفترات ما قبل الإسلام في شمال إفريقيا، حيث كانت ترتبط بطقوس الخصوبة وتغير الفصول. الشاب الذي يرتدي الجلود كان يمثل قوة الطبيعة، وضرباته الخفيفة للمارة بـ “أكراع” كانت تُعتبر قديماً جالبة للبركة وحسنة الطالع.

لكن مع مرور الزمن، والتوسع العمراني، انتقلت الظاهرة من القرى النائية إلى المدن الكبرى في سوس مثل أكادير والدشيرة وإنزكان، لتأخذ طابعاً استعراضياً جماهيرياً مدعوماً بمكبرات الصوت والإضاءة الحديثة، مما أخرجها من سياقها التقليدي البسيط إلى شكل احتفالي أكثر تعقيداً وجماهيرية.

الوثائق الدامغة: ماذا يقول علماء الأنثروبولوجيا؟

للغوص في أعماق الظاهرة، قمنا في “حسيمة سيتي” بمراجعة أبحاث أنثروبولوجية مغربية وفرنسية. الباحثون في علم الاجتماع يؤكدون أن بوجلود في سوس يمثل لحظة تفريغ نفسي (Catharsis) للمجتمع. إنه اليوم الذي يُسمح فيه بكسر التراتبية الاجتماعية؛ فالشاب الفقير قد يطارد الغني، وتذوب الفوارق تحت الأقنعة.

وتؤكد الوثائق الأكاديمية أنه لا يوجد في أي مرجع تاريخي موثوق ما يربط هذه الاحتفالات بطقوس غيبية دخيلة أو ما يُشاع حول “عبادة الشيطان”. بل هي ممارسات مسرحية بدائية (Carnivalesque) تشبه إلى حد بعيد الكرنفالات العالمية، حيث يلعب القناع دور المحرر من القيود اليومية الصارمة.

شبكة الاتهامات: هل انحرفت أقنعة بيلماون؟

انتقلنا لتحليل مصدر الاتهامات التي تروج بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي. وجدنا أن الجدل حول ظاهرة بوجلود ظهر مؤخراً نتيجة عدة عوامل تقاطعت في السنوات الماضية:

  • التحول في شكل الأقنعة: تخلى بعض الشباب عن الجلود الطبيعية واستبدلوها بأقنعة بلاستيكية مستوحاة من السينما العالمية، وهو ما أعطى انطباعاً بوجود لمسة دخيلة عن التراث الأصيل.
  • الممارسات الفردية المنحرفة: سجلت الجهات المعنية في مناسبات متفرقة استغلال بعض الأفراد لهذا الطقس للقيام بسلوكيات طائشة كالسرقة، أو اعتراض السبيل، أو استعمال مواد مشتعلة بشكل يشكل خطراً على السلامة العامة.
  • الخطاب الافتراضي: بعض المنصات تستغل هذه الانفلاتات لتمرير أحكام قيمة شاملة، مستخدمين مصطلحات مثيرة لجذب الانتباه وزيادة التفاعل، متجاهلين السياق الثقافي للظاهرة.

تداعيات القضية: الفلكلور في مواجهة الاستنساخ المشوه

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه بوجلود في سوس ليس طقوساً سرية وهمية، بل هو فقدان الهوية. في مقابلات مع نشطاء محليين وجمعيات ثقافية، أبدى الكثيرون امتعاضهم من الفوضى التي باتت ترافق الاحتفالات في بعض المناطق.

يقول أحد المنظمين المحليين: “لقد تحول الأمر في بعض الأحياء إلى مناسبة لجمع الأموال من المارة، وغابت الأهازيج التقليدية (أحواش) لتحل محلها موسيقى صاخبة لا تمت للتراث بصلة”. هذا التشويه الميداني هو ما يعطي الذريعة للمنتقدين لوصف الحدث بنعوت تبعده عن سياقه التراثي.

الخلاصة والتوصيات: إنقاذ التراث من الاندثار والتشويه

يخلص تحقيقنا إلى أن بوجلود في سوس هو إرث ثقافي وتاريخي يمثل جزءاً من الذاكرة الجماعية الأمازيغية والمغربية. الاتهامات الموجهة للظاهرة تظل في مجملها تضخيماً إعلامياً لا يستند إلى أدلة مادية أو تاريخية، غير أن الظاهرة تعاني فعلياً من تحديات تنظيمية وتشويه لمضمونها الأصلي.

وبناءً على المعطيات الميدانية، تبرز الحاجة لتأطير هذه الاحتفالات قانونياً وتنظيمياً من قبل السلطات المعنية، وتحويلها إلى مهرجانات ثقافية تعكس الغنى الحضاري للمغرب، مع التصدي الصارم لأي انحرافات تمس بسلامة المدنيين. ندعو قراء “حسيمة سيتي” إلى التفكير بوعي في كيفية حماية تراثنا المشترك من التشويه والأحكام المسبقة.


المصادر والمراجع

  • أبحاث سوسيولوجية في الثقافة الأمازيغية (جامعة ابن زهر).
  • مقابلات حصرية مع فاعلين جمعويين وخبراء في التراث.
  • تقارير صحفية وبلاغات رسمية للجهات المعنية حول تأمين الاحتفالات.
المصدر فريق التحقيقات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق