بين المغرب والجزائر.. حين تُختطف كرة القدم وتُحوَّل إلى منصة للسموم

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
بين المغرب والجزائر.. حين تُختطف كرة القدم وتُحوَّل إلى منصة للسموم
المهدي بنمنصور

لا أحد يعترض على الندية بين المغرب والجزائر، بل على العكس، فالمواجهات بين الجارين تملك كل ما يجعل كرة القدم ممتعة: توتر، شغف، جماهير، ورغبة جارفة في الانتصار. لكن ما يحدث أحيانًا لم يعد له أي علاقة بالرياضة، لأن بعض الأصوات لا تريد مباراة في الملعب، بل معركة مفتوحة في الذاكرة والوجدان والكرامة الجماعية.

المشكل الحقيقي يبدأ حين يتوقف البعض عن تشجيع منتخبه، ويبدأ في النبش المتعمد في جراح التاريخ، والسخرية من آلام الشعوب، وتحويل المأساة إلى مادة للتصفيق والضحك الرخيص. هنا لا نكون أمام جمهور متحمس، بل أمام خطاب مسموم يحاول أن يمرر الإهانة في شكل “دعابة”، ويبيع الحقد على أنه حماس كروي.

الأدهى أن هذا الانحراف لا يأتي دائمًا بشكل عفوي، بل يُدفع إليه دفعًا عبر منصات وإعلام وصفحات اعتادت الاستثمار في التوتر، لأنها تعرف أن الكراهية ترفع المشاهدات، وأن الاستفزاز يجلب التفاعل، وأن اللعب على وتر المغرب والجزائر يضمن الضجيج. وهكذا تتحول الكرة من لعبة شعبية إلى أداة تعبئة عاطفية قذرة، يُستغل فيها الغضب، ويُعاد تدوير العداوات، وتُزرع الأحقاد في وعي الأجيال الجديدة.

ما يجري ليس “منافسة شرسة” كما يحب البعض أن يسميه، بل انحدار أخلاقي واضح. لأن التنافس الرياضي له حدود، أولها الاحترام، وآخرها الاحترام أيضًا. أما حين يصبح الفوز مناسبة لإذلال الجار، وحين تتحول الخسارة إلى مبرر للشتم والتشويه والتشفّي، فذلك يعني أن هناك من لا يريد لكرة القدم أن توحد الشعوب، بل أن يحولها إلى سلاح نفسي دائم.

المثير للقلق أكثر هو هذا التطبيع البطيء مع القبح؛ أن تصبح الإهانة عادية، وأن يتحول الاستفزاز إلى “محتوى”، وأن يُنظر إلى السقوط الأخلاقي كأنه جزء طبيعي من أجواء المباريات. والحقيقة أن هذا أخطر من أي هزيمة داخل الملعب، لأن خسارة القيم هي الهزيمة التي تترك أثرها طويلًا في العقول والعلاقات بين الشعوب.

من حق المغربي أن يفتخر بمنتخبه، ومن حق الجزائري أن يقاتل معنويًا من أجل رايته، ومن حق الجماهير في البلدين أن تعيش كل تفاصيل التوتر الكروي. لكن ليس من حق أحد أن يجعل من الكرة مطية لإهانة الشعوب، أو أن يحولها إلى موسم مفتوح لتصفية العقد السياسية والنفسية.

الكرة بين المغرب والجزائر يجب أن تبقى نارًا في المدرجات، لا نارًا في الصدور. ويجب أن تبقى صراعًا على النتيجة، لا على الكرامة الوطنية. أما الذين يصرون على تلويث اللعبة بخطاب التحريض، فهم لا يخدمون منتخباتهم، بل يفسدون الرياضة ويمنحون الكراهية قميصًا رياضيًا لتدخل به إلى كل بيت.

نافس جارك كما تشاء، اهتف، احتفل، اغضب، وافرح… لكن لا تنسَ أن الجار يبقى جارًا، وأن الشعوب ليست عدوًا، وأن أكثر ما يفضح ضعف الخطاب هو حاجته الدائمة إلى الإهانة كي يبدو قويًا.

المصدر محرر الموقع
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق