في مفارقة دبلوماسية صادمة، صوّت المغرب والجزائر لصالح قرار أممي بشأن الصحراء، بينما صوّتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضده. فكيف وجد الخصمان المغاربيان نفسيهما في الخانة نفسها، في حين اختار حليفان مفترضان للرباط الوقوف في الجهة المقابلة؟
تصويت يكشف هشاشة التحالفات
اعتمدت اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المتعلق بالصحراء بأغلبية 152 صوتا، مقابل صوتين رافضين وسبعة امتناعات. وكان المغرب والجزائر ضمن المؤيدين، بينما صوّتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النص.
هذه النتيجة ليست تفصيلا إجرائيا. إنها صفعة سياسية لمن بنى رهانه على أن التقارب مع واشنطن وتل أبيب سيحوّل الدعم المعلن إلى التزام دائم داخل المؤسسات الدولية. فإذا كان المغرب والجزائر، رغم القطيعة والتوتر، قد التقيا في التصويت، فإن الحليفين المفترضين اختارا معارضة القرار.
أين ذهبت وعود التطبيع؟
قدمت الرباط التطبيع مع إسرائيل باعتباره قرارا سياديا يخدم مصالح المغرب، وفتحت قنوات دبلوماسية واسعة، وعمّقت التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي. كما حافظت على شراكة قوية مع الولايات المتحدة، وراكمت التزامات سياسية وأمنية جعلتها واحدة من أبرز حلفاء واشنطن في المنطقة.
لكن عند لحظة الاختبار، لم يظهر ذلك التحالف في صندوق التصويت. لم تصوّت إسرائيل لصالح المغرب، ولم تستخدم الولايات المتحدة ثقلها لتمرير النص، بل إن واشنطن طلبت أصلا إخضاع القرار للتصويت، بعدما كان يُعتمد غالبا بالتوافق.
هنا يصبح السؤال مشروعا ومحرجا: ماذا بقي من قيمة الشراكة إذا لم تظهر في اللحظة التي يعتبرها المغرب مصيرية؟
المغرب يدفع الثمن… والحلفاء يحسبون الأرباح
تتعامل القوى الكبرى مع العلاقات الدولية بمنطق المصالح، لا بمنطق الصداقة. واشنطن تريد الحفاظ على هامش مناورة بين المغرب والجزائر، وإسرائيل تريد توسيع حضورها في شمال إفريقيا، لكن أيا منهما لا يبدو مستعدا لتحويل العلاقة مع الرباط إلى التزام غير مشروط.
أما المغرب، فتصرف في أحيان كثيرة كأنه يقدم تنازلات مسبقة على أمل الحصول على اعترافات لاحقة. غير أن السياسة الدولية لا تكافئ النوايا، بل تقيس القوة التفاوضية والقدرة على فرض المقابل.
فإذا كان التطبيع لم يضمن تصويتا، والشراكة الاستراتيجية لم تمنع موقفا معاكسا، فربما حان وقت مراجعة الطريقة التي تُدار بها التحالفات، لا الاكتفاء بإصدار بيانات الغضب بعد كل خيبة.
الجزائر: خصم في الميدان، شريك في التصويت
المفارقة الأكثر إحراجا أن الجزائر، التي تعتبرها الرباط الخصم الرئيسي في ملف الصحراء، صوّتت لصالح القرار نفسه. لا يعني ذلك انتهاء الخلاف أو نشوء تقارب سياسي بين البلدين، لكنه يكشف أن التصويت الأممي تحكمه حسابات مختلفة عن الخطاب الإعلامي الحاد.
لقد وجدت الرباط نفسها في صف واحد مع الجزائر في لحظة دولية، وفي الصف المقابل لواشنطن وتل أبيب. وهذه الصورة وحدها كافية لتفكيك الخطاب الذي يختزل العلاقات الدولية في معسكرات ثابتة: حلفاء دائمون وخصوم دائمون.
لا ينبغي تضخيم المكسب
صحيح أن النص أحال إلى القرار 2797، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، وهو مكسب سياسي لا يمكن تجاهله. لكن الإحالة لا تعني اعترافا نهائيا بسيادة المغرب على الصحراء، ولا تنهي المسار الأممي، ولا تلغي الإشارة إلى تقرير المصير وتصفية الاستعمار.
لذلك فإن تقديم النتيجة كـ”انتصار تاريخي” يخفي نصف الحقيقة. فقد حصل المغرب على دعم واسع للنص، لكنه واجه أيضا معارضة أمريكية وإسرائيلية مباشرة، وامتناعا من دول غربية مؤثرة. وهذه ليست صورة انتصار كامل، بل نتيجة مختلطة تستوجب القراءة لا الاحتفال الدعائي.
أسئلة لا يجوز إسكاتها
- إذا كان التطبيع ورقة قوة، فلماذا لم تُترجم إلى تصويت إسرائيلي مؤيد؟
- إذا كانت واشنطن تعتبر المغرب حليفا استراتيجيا، فلماذا بادرت إلى طلب التصويت على قرار يهم قضية مركزية للرباط؟
- ما المقابل الحقيقي للانفتاح الدبلوماسي والأمني والاقتصادي؟
- هل حصل المغرب على ضمانات مكتوبة، أم اكتفى بتطمينات سياسية قابلة للتراجع؟
- هل كانت الرباط تفاوض من موقع الندية، أم تدفع التنازلات قبل معرفة ثمنها؟
- لماذا صوّتت الجزائر والمغرب معا بينما اختلفا مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
- هل آن أوان بناء سياسة متعددة الشركاء بدل الارتهان لمحور واحد؟
- من يراقب نتائج التحالفات ويحاسب على كلفتها السياسية والاقتصادية؟
الدرس القاسي
ما وقع في اللجنة الرابعة ليس مجرد اختلاف تقني حول صياغة قرار. إنه إنذار للدبلوماسية المغربية: لا توجد تحالفات مجانية، ولا دعم دائم بلا مقابل، ولا تطبيع يضمن تلقائيا اعترافا بالسيادة.
إذا كانت واشنطن وتل أبيب تريدان شراكة مع المغرب، فعليهما أن تتعاملا معه كشريك له مصالح، لا كساحة نفوذ أو ورقة في صراع إقليمي. وإذا كانت الرباط تريد الحفاظ على هذه الشراكات، فعليها أن تنتقل من سياسة الثقة في الوعود إلى سياسة المطالبة بالمقابل الواضح.
فالمفارقة التي ستبقى عالقة في الذاكرة هي أن المغرب والجزائر صوّتا معا، بينما صوّتت واشنطن وتل أبيب ضدهما. وفي السياسة، أحيانا تكشف خانة التصويت أكثر مما تكشفه سنوات من الخطب والبيانات.



















