إعفاء ماديحة خيير وسؤال النجاعة: حين تصطدم الحسابات الحكومية برهان التكوين المهني

حسيمة سيتيمنذ 22 دقيقةآخر تحديث :
إعفاء ماديحة خيير وسؤال النجاعة: حين تصطدم الحسابات الحكومية برهان التكوين المهني
بقلم: رشيد البراني

وافق الملك محمد السادس على طلب تقدمت به رئيسة الحكومة لإعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، من مهامها التنفيذية طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور، في خطوة سياسية تعيد فتح ملف نجاعة الأداء الحكومي في قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بانتظارات آلاف الشباب الباحثين عن الاندماج في سوق الشغل.

تفعيل المقتضى الدستوري وحدود التضامن الحكومي

يأتي هذا الإعفاء استناداً إلى الفقرة الثانية من الفصل 47 من الدستور المغربي، التي تخول للملك، بمبادرة منه أو بناء على اقتراح من رئيس الحكومة، إنهاء مهام عضو أو أكثر من أعضاء الفريق الوزاري. ويعكس اللجوء إلى هذه الآلية الدستورية الصريحة وجود تباينات حادة داخل الأغلبية التنفيذية لم يعد من الممكن تدبيرها خلف الأبواب المغلقة، لا سيما حين يتعلق الأمر بقطب التعليم والتكوين الذي يحظى بمتابعة مؤسساتية ومجتمعية دقيقة.

وعلى الرغم من أن البلاغات الرسمية تكتفي عادة بالصيغ المؤسساتية المقتضبة دون الخوض في التفاصيل الإدارية والتدبيرية، فإن ممارسة رئيسة الحكومة لصلاحياتها الدستورية بطلب الإعفاء يعكس اعترافاً ضمنياً بتعثر المسار التدبيري داخل هذه الحقيبة المنتدبة. وتضع هذه الخطوة العمل الحكومي برمته أمام محك المصداقية، حيث لم يعد ممكناً تسويق الانسجام التام في وقت تفرض فيه إكراهات الميدان مراجعة المواقع والمسؤوليات.

قطاع التكوين المهني في قلب معادلة التنمية

لم يعد التكوين المهني والتأهيل مجرد قطاع تقني ملحق بوزارة التربية الوطنية، بل أضحى أحد الأعمدة الأساسية التي يُفترض أن تمتص نسب البطالة المقلقة وتلائم مخرجات المنظومة التعليمية مع متطلبات النسيج الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، فإن تعثر القيادة التنفيذية في هذا الملف لا يمثل مجرد إخفاق لشخص الوزيرة المعفية، بل يترجم خللاً في وتيرة تنفيذ أوراش مدن المهن والكفاءات وتحديث منظومة التأهيل الحرفي والصناعي.

وتتحمل الأسر المغربية، خصوصاً في الفئات المتوسطة والهشة، الكلفة المباشرة لبطء هذه البرامج، إذ تنتظر مخرجات حقيقية تضمن لأبنائها الإدماج المهني والكرامة الاقتصادية. وعندما تشهد هرمية القطاع فراغاً أو توتراً تدبيرياً، تتأخر مشاريع التكوين وتتعطل الاتفاقيات مع الفاعلين الاقتصاديين، ليبقى المواطن العادي وحده من يدفع ثمن ارتباك القرار في المكاتب المركزية.

ما بعد الإعفاء: من تغيير الأسماء إلى مساءلة السياسات

يكتسي قرار الإعفاء مشروعيته السياسية من كونه تذكيراً صارماً بمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، إلا أن الرهان الحقيقي لا ينتهي عند استبدال مسؤول بآخر. فالرأي العام الوطني والشباب المعني بفرص التأهيل ينتظرون تقييماً موضوعياً لمكامن القصور التي استدعت هذا القرار، ومعرفة ما إذا كان المشكل منحصراً في الأداء الفردي للوزيرة أم نابعاً من غياب استراتيجية حكومية متكاملة لربط التكوين بسوق الشغل.

إن إعادة الثقة في العمل المؤسساتي تقتضي الشفافية في توضيح أسباب التعثرات ومبررات القرارات الكبرى، بدلاً من حصر التغيير في إطاره الشكلي. ويتعين على الحكومة اليوم تقديم بديل يمتلك الكفاءة والجاهزية لإعادة ضبط بوصلة التكوين والتأهيل المهني، لأن التحديات الاجتماعية والاقتصادية الراهنة لم تعد تحتمل مزيداً من هدر الوقت والإمكانات العمومية.

المصدر بلاغ رسمي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق