من الحسيمة إلى طنجة 2: معتقلو الريف بين جدران السجن وصمت الصحافة المحلية والوطنية

حسيمة سيتيمنذ 51 دقيقةآخر تحديث :
من الحسيمة إلى طنجة 2: معتقلو الريف بين جدران السجن وصمت الصحافة المحلية والوطنية
بقلم: رشيد البراني

طنجة 2.. حين يصبح الصمت شريكًا في العقوبة

ليس السؤال اليوم: هل نختلف أو نتفق مع ناصر الزفزافي ورفاقه؟
السؤال الأهم: كيف يمكن لصحافة محلية ووطنية أن تلتزم الصمت أمام معتقلين يقضون سنوات طويلة خلف القضبان، فيما بدأت قصتهم أصلًا من مطالب تبدو بديهية: مستشفى، جامعة، شغل، وكرامة؟

نداء طارق الزفزافي لا يخص صفحات الريف وحدها، بل يضع الصحافة المغربية كلها أمام مسؤوليتها. فالمطلوب ليس تعاطفًا موسميًا ولا تغطية عابرة عند كل إضراب عن الطعام أو خبر صحي، بل فتح نقاش عمومي مستمر حول وضع معتقلي حراك الريف في سجن طنجة 2، ونقل مطالبهم، ومساءلة الجهات المسؤولة عن ظروف احتجازهم.

عشرون سنة ليست خبرًا عابرًا

ناصر الزفزافي، أحد أبرز وجوه حراك الريف، اعتُقل في ماي 2017 وصدر بحقه حكم بـ20 سنة سجناً نافذاً، ثُبّت استئنافيًا سنة 2019.
وهو الحكم نفسه الذي طال نبيل أحمجيق ووسيم البوستاتي وسمير إغيد، في ملف انطلق من احتجاجات رفعت مطالب اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالتعليم والصحة والعمل والإنصاف المجالي.

عشرون سنة ليست رقمًا في وثيقة قضائية، بل زمن كامل: عائلات تنتظر، وآباء يكبرون، وأمهات يطاردهن القلق، وأطفال يكبرون بعيدًا عن آبائهم، ومنطقة بقيت أسئلتها معلقة.
وحين يتحول هذا الزمن الطويل إلى خبر مؤجل أو ذكرى موسمية، يصبح الصمت نفسه جزءًا من العقوبة.

طنجة 2.. سجن وراءه أسئلة

ارتبط سجن طنجة 2، خلال السنوات الماضية، باحتجاز عدد من معتقلي حراك الريف، وبإضرابات عن الطعام، وبقرارات ترحيل، وببلاغات متضاربة بين إدارة السجون وعائلات المعتقلين وهيئة دفاعهم.
في يناير 2021، دخل ستة معتقلين على خلفية الحراك في إضراب عن الطعام على خلفية خلاف بشأن التواصل الهاتفي، قبل نقلهم إلى مؤسسات سجنية أخرى، ثم إعادتهم لاحقًا إلى طنجة 2 بعد تعليق الإضراب.

إدارة السجون قالت إن إجراءاتها ترتبط بحفظ النظام الداخلي ومنع استعمال الهاتف في ما يتجاوز التواصل العائلي، بينما اعتبرت الأسر والدفاع الأمر تضييقًا وعقابًا إضافيًا.
لا يجوز للصحافة أن تختار إحدى الروايتين دون تحقق، لكن لا يجوز لها أيضًا أن تعتبر هذا التضارب تفصيلًا بلا أهمية. دورها أن تسأل، وتطلب الأجوبة، وتفحص الوثائق، وتنشر رد جميع الأطراف.

الصحة لا تحتمل الصمت

منظمة العفو الدولية تقول إن الحالة الصحية للزفزافي تدهورت، وتذكر معاناته من صعوبات في التنفس والبصر وآلام عصبية، وتطالب بتوفير الرعاية الصحية المناسبة له.
هذه معطيات حقوقية تستوجب تحقيقًا جديًا، لا إعادة نشر مقتضبة ثم الانتقال إلى أخبار أخرى. ما طبيعة الرعاية الطبية التي يتلقاها؟ هل يتمتع المعتقلون بفحوصات منتظمة؟ هل تتلقى عائلاتهم معطيات واضحة؟ وما جواب إدارة المؤسسة والمندوبية على هذه الادعاءات؟

في السجن، لا يملك الإنسان كاميرا ولا منبرًا ولا حق الوصول إلى الرأي العام. لهذا تحديدًا تكون الصحافة ضرورية: لتمنع أن يتحول الجدار إلى حاجز يحجب الحقيقة.

تقاعس محلي.. وصمت وطني أكبر

الصحافة المحلية مطالبة بأن تكون الأقرب إلى عائلات المعتقلين، لأنها تعرف المنطقة وسياق الحراك وأسماء الناس وحجم الألم الذي تركه الملف في الحسيمة والريف.
لكن الصحافة الوطنية لا تملك أي ذريعة للغياب. بل إن مسؤوليتها أكبر، لأنها تملك منابر أوسع، وموارد أكثر، وقدرة أكبر على الوصول إلى المؤسسات الرسمية، وإجراء التحقيقات، واستدعاء المتحدثين الرسميين، وإبقاء القضية في صدارة النقاش العام.

غير أن جزءًا كبيرًا من الإعلام الوطني اختار التعامل مع ملف معتقلي الريف بوصفه ملفًا انتهى يوم صدور الأحكام. تغطية متقطعة، اهتمام عند الإضرابات أو البلاغات، ثم عودة سريعة إلى الصمت.
وكأن السجن يغلق الملف تلقائيًا، وكأن مرور السنوات يلغي حق الرأي العام في المعرفة، وكأن مطالب الريف أصبحت شأنًا محليًا لا يستحق أن يشغل صحافة بلد بأكمله.

هذا ليس حيادًا. الحياد الصحفي لا يعني تجاهل القضايا المؤلمة والمعقدة، بل يعني التحقيق فيها من جميع الزوايا، وإعطاء الكلمة لكل الأطراف، ثم تمكين القارئ من الوقائع.
أما أن تُترك الأسر وحدها بين النداءات والبلاغات، ويُترك المعتقلون خلف الجدران، وتُترك إدارة السجون تقريبًا بلا مساءلة إعلامية منتظمة، فذلك فراغ مهني لا يمكن تبريره.

ليست الصحافة هيئة دفاع.. لكنها ليست منصة صمت

لا يُطلب من الصحافة المغربية أن تصدر أحكامًا مكان القضاء، ولا أن تكتب بمنطق الدعاية أو التقديس.
لكن يُطلب منها أن تمارس وظيفتها الأساسية: أن تسأل لماذا يعيش معتقلون سياسيون وحقوقيون، بحسب توصيف منظمات دولية، كل هذا الغياب؟ وأن تتحقق من مزاعم سوء الظروف الصحية أو القيود على التواصل؟ وأن تمنح الدولة والمؤسسات حق الرد بوضوح، لا أن تكتفي بنشر روايتها حين تختار هي الحديث.

الصحافة المحلية مطالبة بأن تنقل صوت الأسر من قرب، والصحافة الوطنية مطالبة بأن تحمي حق هذا الصوت في الوصول إلى كل المغرب.
ولا يمكن للأخيرة أن تختبئ خلف عبارة “ملف حساس”، لأن الملفات الحساسة هي تحديدًا التي تحتاج صحافة شجاعة، مهنية، ومتوازنة.

أسئلة تنتظر من يطرحها

  • ما الوضع الصحي الموثق لمعتقلي حراك الريف في طنجة 2؟
  • ما الضمانات العملية للعلاج والزيارة والاتصال بالعائلة؟
  • ما مصير الشكايات التي تقدم بها المعتقلون أو محاموهم؟
  • ما مبررات استمرار الصمت الإعلامي الوطني حول ملفات إنسانية وقانونية بهذا الحجم؟
  • هل ما زالت مطالب الصحة والتعليم والشغل، التي فجرت الحراك، مطروحة في النقاش العمومي أم أصبحت من المحرمات الإعلامية؟

هذه ليست أسئلة ضد الدولة، بل أسئلة من أجل دولة تحترم مواطنيها، وتثق في مؤسساتها، ولا تخاف من الضوء.
فالصحافة التي تتجنب الأسئلة الصعبة لا تحمي الاستقرار، بل تدفع الحقيقة إلى الهوامش، حيث تكبر المرارة ويضيع الأمل.

قضية لم تغلق

قد تكون المحاكم قالت كلمتها في الملف القضائي، لكن قضية الريف لم تنتهِ.
لأن الألم لا ينتهي بالحكم، ولأن الأسئلة الاجتماعية التي أخرجت الناس إلى الشارع لم تختفِ: ما زال الحق في العلاج، وفي تعليم جيد، وفي شغل يحفظ الكرامة، وفي عدالة مجالية، قضايا يومية في حياة آلاف الأسر.

لهذا، فإن الحديث عن ناصر الزفزافي ورفاقه ليس نبشًا للماضي، بل مواجهة مع حاضر مستمر.
وإذا كانت القضبان قد عزلت هؤلاء عن الشارع، فلا ينبغي أن ينجح الصمت المحلي والوطني في عزل قضيتهم عن ذاكرة المغرب.

سجن طنجة 2 ليس مجرد اسم على خريطة السجون؛ إنه امتحان للصحافة المحلية والوطنية معًا.
امتحان لمعنى الاستقلالية، وللشجاعة في طرح الأسئلة، وللقدرة على تذكر أن وراء كل حكم إنسانًا وعائلة ومنطقة بأكملها تنتظر الحقيقة والإنصاف.

لا أحد يطالب الصحافة بإلغاء أحكام القضاء، لكن الجميع يحق له أن يطالبها بألا تُلغي دورها بنفسها.
فحين تصمت المنابر، لا تختفي القضية؛ بل يصبح الصمت نفسه جزءًا من الأزمة.

المصدر حسيمة سيتي - بقلم: رشيد البراني
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق