ربع المغاربة لا يقرؤون ولا يكتبون… ثم نتساءل لماذا الشعب “مكلخ”؟

حسيمة سيتيمنذ 3 دقائقآخر تحديث :
ربع المغاربة لا يقرؤون ولا يكتبون… ثم نتساءل لماذا الشعب “مكلخ”؟
أنوار الإدريسي

في بلدٍ يُشيّد ملاعب بمواصفات فيفا، ويُنشئ أوبرات كبرى، ويُصفّق لناطحات سحاب في مدن السياحة، يخرج علينا إحصاء رسمي ليُعلن بكل هدوء أن 24.8% من المغاربة البالغين أميون، وأن 400 ألف شخص جديد ينضمون سنويًا إلى قائمة من لا يعرفون القراءة والكتابة. هذا ليس خبرًا عابرًا، بل صفعة رقمية على وجه كل من يتحدث عن “نموذج تنموي” و”قفزة نحو المستقبل”.

الأرقام في تفاصيلها: لوحة إدانة كاملة

المعطيات التي كشفتها الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية في جوابها على سؤال برلماني لا تكتفي بالرقم العام، بل تُعرّي التفاوتات الصارخة التي يُنتجها الإهمال الممنهج:

  • النساء يدفعن الثمن الأكبر: 32.4% أمية وسطهن مقابل 17.2% لدى الرجال، وترتفع النسبة عند النساء القرويات لتبلغ 55.1%، أي أن أكثر من نصف نساء الريف المغربي لا يُجِدن قراءة ولا كتابة في عام 2024.
  • الوسط القروي تبلغ فيه الأمية 43.4% مقابل 19.3% في المدن، أي أن أقل من واحد من كل خمسة في الريف يستفيد من تعليم أساسي حقيقي.
  • جهات بأكملها تُسجّل أرقامًا صادمة: بني ملال-خنيفرة 36.3%، فاس-مكناس 32.7%، مراكش-آسفي 32.4%، وهي جهات تضم ملايين المواطنين يُحرمون يوميًا من أبسط حقوقهم المعرفية.
  • فئة الخمسين فأكثر تصل فيها الأمية إلى 51%، وهذا يعني أن نصف الجيل الذي بنى هذا البلد بعرقه لم يُمنح فرصة تعلم القراءة والكتابة.

450 مليون درهم لمحاربة الأمية… وملايير لغيرها

تُقرّ الوكالة بأن ميزانية محاربة الأمية لسنة 2025 بلغت 450 مليون درهم. للوهلة الأولى قد يبدو الرقم محترمًا. لكن ضعه في المقارنة:

  • تكلفة ملعب واحد يستوفي المعايير الدولية تتجاوز أحيانًا المليار درهم أو تقترب منه.
  • ميزانية استضافة مباريات كأس العالم 2030 وما يرتبط بها من بنية تحتية تُقدَّر بعشرات المليارات.
  • ميزانية مهرجانات ترفيهية في مدن بعينها يمكن أن تُساوي ما يُخصص لمحو أمية مناطق بأكملها.
  • صفقات بروتوكولية وتجهيزات فاخرة لمؤسسات رسمية تستنزف الخزينة دون مردود اجتماعي قابل للقياس.

الدولة التي تجد الإرادة والمال حين تكون السمعة الدولية على المحك، تُصاب بالعجز الغريب حين يتعلق الأمر بتعليم امرأة قروية في دوار بعيد. وهذا ليس قصورًا في الإمكانات، بل قرار في الأولويات.

“الشعب مكلخ”… وهل سألتم أنفسكم لماذا؟

هنا يظهر النقاش الأشد إثارة للجدل والأكثر حاجة إلى المواجهة بالحجة والدليل. كثيرون، من بينهم نخب وأكاديميون ومثقفون، يُحاضرون في الفضاء العام عن “الشعب المكلخ”، ويُدينون تصرفات المواطن المغربي: من عدم الانتخاب إلى قبول الرشوة، ومن اللامبالاة السياسية إلى تبنّي الخرافة وتصديق الإشاعة، ومن ضعف الوعي البيئي إلى ردود الفعل العنيفة في الملاعب والطرق العامة.

لكن السؤال الذي يتجاهله هؤلاء بشكل مريب هو: من صنع هذا المواطن؟

إذا كان ربع الشعب لا يقرأ ولا يكتب، فبأي منطق تطلب منه وعيًا سياسيًا وحضاريًا ونقديًا؟ إذا كان 55% من نساء الريف أميات، فكيف تنتظر جيلًا قادمًا يربّيه أمهات لم يُمنحن فرصة التعلم؟ إذا كانت جهات بأكملها تُسجّل نسب أمية تتجاوز ثلث السكان، فكيف تطالبها بوعي مدني وتفكير نقدي ورفض للشعبوية؟

الجهل ليس طبيعة الشعب، بل صُنع له صناعة.

لم يولد المغربي “مكلخًا”، بل أُدخل قسرًا في دوامة تُضعف كل شروط الوعي: تعليم هش أو منعدم، خدمات صحية متدنية، فقر مُدقع يجعل أولوية الأسرة أن تُطعم أبناءها لا أن تُعلّمهم، وإعلام يُكرّس الترفيه على حساب التثقيف. ثم تأتي النخب لتُدين الضحية وتنسى الجلاد.

الشعب الذي لم تُبنَ له مدارس في قريته، ولم يجد أستاذًا ثابتًا في فصله، ولم يُقدَّم له تعليم ذا جودة، ولم تنفتح أمامه أبواب المعرفة والنقد، لا يمكن أن يكون شعبًا “واعيًا” بمقاييس مَن تعلّموا في أفضل المدارس ثم يُحاضرون في التلفزيون. هذا تناقض أخلاقي قبل أن يكون تناقضًا فكريًا.

دولة تبني الملاعب وشعب يستحق أفضل منها

المفارقة الحادة ليست في الفقر بل في التناقض: الدولة قادرة على بناء ملاعب بأحدث الطرازات، وإقامة أوبرا ومراكز ثقافية فاخرة، وتشييد طرق سيارة بمواصفات أوروبية، وجلب استثمارات دولية ضخمة. هذا يُثبت أن الإمكانات موجودة. لكن هذه الإمكانات لا تتدفق نحو بناء الإنسان بنفس الحماسة التي تتدفق بها نحو ما يلمع في وسائل الإعلام الدولية.

وهنا تكمن المعادلة المُختلّة: تبني الدولة ملاعب بمستوى الدول المتقدمة، لكنها لا تبني شعبًا بمستوى هذه الملاعب. تُريد صورة البلد المتقدم دون أن تتحمل تكلفة بناء مواطنه المتقدم.

لو أن الدولة أنفقت على التعليم والتكوين ومحاربة الأمية بنفس السخاء الذي تُنفق به على الفرجة والاستعراض، لوجدنا شعبًا مختلفًا تمامًا: شعبًا ينتخب بوعي، ويُساءل بجرأة، ويرفض الرشوة عن فهم، ويُقاطع الخطاب الشعبوي بأدوات التحليل لا بالغريزة.

مفارقة 400 ألف: فشل هيكلي لا عجز عرضي

الوكالة نفسها أقرّت بأن 400 ألف شخص جديد يُضافون سنويًا إلى قائمة الأميين بسبب الانقطاع المبكر عن الدراسة. هذا يعني أن برامج محو الأمية الحالية تُعالج المرض وتترك مسبّبه. فمادام النظام التعليمي ينتج سنويًا 400 ألف طفل يتركون المدرسة قبل اكتساب مهارات القراءة والكتابة، فإن كل ما يُصرف على محو الأمية لاحقًا هو تضميد جرح نازف لم يُوقف.

الحل ليس في برامج “ما بعد الأمية” وتطبيقات “ألفا نور” و”ألفا فلاح”، رغم قيمتها. الحل الجذري في إصلاح المدرسة العمومية، وإعادة الاعتبار لمهنة التعليم، وتوفير فصول ومدارس وأساتذة وظروف كافية في كل ربوع البلاد، وخاصة في الوسط القروي الذي تُسجّل نساؤه نسبة أمية 55% في 2024.

الخلاصة: محاسبة المسؤول لا اتهام الضحية

في النهاية، “الشعب المكلخ” لم يأتِ من فراغ. هو نتاج عقود من التعليم الرديء، والإهمال الممنهج للمناطق الهشة، والأولويات المقلوبة التي تضع الصورة فوق الإنسان. لذلك، فإن إدانة الشعب دون إدانة السياسات التي أنتجته هو نوع من الجبن الفكري الذي يُريح المسؤول ويُحمّل الضحية ذنب جلادها.

المطلوب ليس الدفاع عن كل تصرف خاطئ في المجتمع، بل المطالبة بالتناسب في التحليل: اتهام المسؤول الذي أهمل التعليم قبل اتهام المواطن الذي لم يتعلم، ومساءلة من يوزع الميزانيات قبل مساءلة من لم يستفد منها.

وإذا أراد أصحاب خطاب “الشعب المكلخ” أن يروا شعبًا مختلفًا، فليبدؤوا بالمطالبة بدولة مختلفة؛ دولة تضع الإنسان في قمة أولوياتها لا في هامش ميزانياتها.

المصدر تحقيق حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق