في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو التحضيرات الكبرى لاستضافة المغرب لكأس العالم 2030، يبرز ملعب أدرار بأكادير كنموذج صارخ لما يمكن تسميته بـ “هندسة الإنفاق المفتوح”. منذ تدشينه في أكتوبر 2013، ظل هذا المرفق الرياضي محوراً لتساؤلات مشروعة حول جدوى الاستثمارات المتعاقبة، وحول الأسباب التي تجعل منشأة يفترض أنها صُممت لتستمر لعقود، تتطلب عمليات جراحية مكلفة كل بضع سنوات. كيف تحولت تكلفة بنائه الأولية التي ناهزت 86 مليار سنتيم إلى فواتير مليارية جديدة في 2025، لتصل اليوم إلى وعود بهدم وإعادة هيكلة تتجاوز 1000 مليار سنتيم؟ إن هذا التحقيق لا يبحث فقط في الأرقام، بل في المنطق الذي يحكم إدارة المال العام في “الأوراش الكبرى”.
الخيط الأول: كيف بدأت القضية؟
بدأت الحكاية في عام 2013 حين تم افتتاح الملعب الكبير لأكادير بضجة إعلامية كبيرة. كان الهدف حينها توفير معلمة رياضية تليق بمدينة الانبعاث، واستبشر المواطنون خيراً بإنهاء حقبة “الملاعب المتهالكة”. لكن، وبعد سنوات قليلة، بدأت تظهر تشققات في المنطق الاقتصادي للمشروع. لم يكن الخلل تقنياً فقط، بل كان خللاً في التصميم والتهيئة الاستباقية، مما جعل الملعب غير قادر على مواكبة تطور المعايير الدولية.
في عام 2025، ومع التحضير لكأس إفريقيا، وجد المسؤولون أنفسهم أمام خيار وحيد: ضخ 45 مليار سنتيم إضافية كدفعة أولى من التأهيل الشامل. هذا الرقم، الذي يعادل أكثر من نصف تكلفة البناء الأصلية، طرح تساؤلات حادة في أوساط المتابعين للشأن المحلي حول غياب دراسات الجدوى بعيدة المدى. كيف يمكن لمنشأة حديثة أن تستهلك نصف قيمتها في إصلاحات ظرفية دون أن يتحمل أي طرف مسؤولية هذا القصور في التخطيط؟
ما تكشفه الوثائق والمستندات
بالرجوع إلى البيانات المالية والتقارير المتاحة، نجد أن نمط الإنفاق في ملعب أدرار يتبع وتيرة مثيرة للريبة. فالوثائق المتعلقة بـ صفقات التأهيل تظهر أن الشركات التي رست عليها العطاءات تكررت في أكثر من مناسبة، مما يفتح الباب واسعاً أمام أسئلة حول مبدأ المنافسة العادلة. الأرقام التي وصلت إلى 45 مليار سنتيم في المرحلة الأولى من التأهيل لم تكن سوى مقدمة لما هو قادم.
اليوم، وبحلول أكتوبر 2026، تتحدث المصادر عن خطة لهدم أجزاء جوهرية وإعادة هيكلة شاملة للملعب ليتوافق مع معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، بميزانية تقديرية مرعبة تتجاوز 1000 مليار سنتيم. إن مقارنة بسيطة بين تكلفة بناء ملعب جديد بمواصفات عالمية وتكلفة “ترقيع” وإعادة هيكلة ملعب أدرار تظهر بوضوح أن الفاتورة النهائية قد تفوق بأضعاف تكلفة إنشاء ملعب من الصفر، مما يطرح تساؤلات حول المستفيد الحقيقي من هذه المشاريع المليارية.
توسيع الدائرة: من تأثر ومن استفاد؟
المستفيد الأول، وفق تحليلنا لمسار الصفقات، هم أباطرة قطاع البناء، وتحديداً شركات الإسمنت والحديد التي تجد في هذه “الأوراش الكبرى” منجماً لا ينضب. بينما يعاني المواطن الأكاديري من خصاص في البنيات التحتية الأساسية كالمستشفيات والمدارس، يتم توجيه السيولة نحو مشاريع خرسانية تتطلب صيانة أبدية. هذا الاستنزاف لا يمس الميزانية فحسب، بل يمس الثقة العامة في تدبير المال العام.
الضرر لا يقتصر على الميزانية الوطنية، بل يمتد ليشمل سمعة المرفق العام الذي بات يشار إليه كمثال للهدر. وتفيد المعطيات التقنية التي استقيناها من خبراء في الهندسة المعمارية أن القرارات المتسارعة بالهدم والبناء لا تستند دائماً إلى ضرورة تقنية قاهرة، بل غالباً ما تُملى بضغط أجندات زمنية ومصالح مالية مرتبطة بقطاعات التوريد والإنشاء.
المواجهة وحق الرد
في إطار حق الرد، تواصلنا مع جهات رسمية معنية بتدبير المشاريع الرياضية بالمدينة. وفي المقابل، أفادت المصادر بأن هذه الإصلاحات تندرج ضمن التزامات المغرب الدولية لإنجاح تظاهرات كبرى مثل كأس العالم، وأن المعايير المطلوبة من الفيفا هي معايير دولية صارمة لا تقبل التأويل. وشدد المسؤولون على أن التكلفة المرتفعة تبررها الحاجة إلى تحويل الملعب إلى مركب رياضي متكامل يضم فنادق ومرافق تجارية ومواقف سيارات ذكية.
«إننا نعمل وفق أجندة زمنية ضيقة لضمان مطابقة المنشآت للمعايير الدولية، ولا مجال هنا للمقارنة الحسابية البسيطة بين تكلفة البناء قديماً واحتياجات التحديث التكنولوجي واللوجستيكي اليوم» – مصدر مقرب من لجنة التحضير لمونديال 2030.
ما الذي يبقى مسكوتاً عنه أو مجهولاً؟
تبقى الثغرة الكبرى هي غياب الشفافية في تفاصيل دفاتر التحملات. لماذا لم يتم التنبؤ بهذه المعايير الدولية منذ البداية؟ ولماذا يتم اختيار الهدم كخيار وحيد بدلاً من الاستغلال الأمثل للهياكل الحالية؟ إن هذه الأسئلة تظل معلقة، وتتطلب تدخل هيئات الرقابة المالية والمحاسباتية لإجراء افتحاص دقيق لكل فلس صُرف في هذا الملعب منذ 2013 وحتى اليوم.
هناك صمت مريب يلف أسماء الشركات المستفيدة من الباطن، والذين يجنون أرباحاً طائلة من وراء تغيير تصاميم الملعب أكثر من مرة. إن استمرار هذا النهج في الإنفاق يهدد بتحويل فرحة المغرب باستضافة كأس العالم إلى عبء مالي سيتذكر المواطنون تكلفته لسنوات طويلة بعد انطفاء أضواء المونديال.
خلاصة التحقيق والمسارات القانونية المنتظرة
إن حالة ملعب أدرار هي تجسيد لحاجة المغرب الماسة إلى إصلاح قطاع الصفقات العمومية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لا يكفي أن نرفع شعار المونديال لنبرر ضخ المليارات في مشاريع قد لا تكون هي الأولوية في ظل التحديات التنموية القائمة. المطلوب اليوم هو وقفة حازمة من البرلمان ومن المجلس الأعلى للحسابات لفتح تحقيق شامل في صفقات ملعب أدرار.
يجب على الهيئات الرقابية أن تسأل عن كل قرار اتُخذ لهدم أو تعديل هذا المرفق، وعن الجدوى الاقتصادية لكل دفعة مالية أُخرجت من الخزينة. إن الرأي العام المغربي لا يعارض تطور بلاده الرياضي، لكنه يرفض أن يكون التطور مطية لتبذير مقدرات الأمة. سيبقى ملعب أدرار شاهداً على مرحلة مفصلية، وسنستمر في مراقبة حركة المليارات لنتأكد أنها تُصرف في تنمية العباد والبلاد، لا في إثراء المحظوظين بقطاع الخرسانة والحديد.



















