بينما يكتوي المواطن البسيط بنيران غلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية في شوارع الحسيمة وطنجة وتطوان، كشفت معطيات حديثة وصادمة عن وجه آخر لمعاناة الاقتصاد الوطني؛ حيث يواصل المغاربة من ذوي النفوذ المالي والسياسي احتلال المراتب الأولى في اقتناء عقارات إسبانيا الفاخرة. هذه المرة، لم يكن الأمر مجرد أرقام إحصائية عابرة، بل فجّر نقاشاً حاداً حول هوية هؤلاء المحظوظين الذين يكدسون العقارات بالعملة الصعبة في وقت تعاني فيه جيوب الفقراء والمهمشين من أجل تأمين لقمة العيش اليومية.
بداية الخيط: مفارقة صارخة في شوارع الشمال
يتساءل المواطن المقهور الذي يواجه يوميا شبح البطالة وغلاء الأسعار: كيف يمكن لمسؤولين يرفعون شعارات التقشف وترشيد النفقات أن يقتنوا فيلات وشققا فخمة في الضفة الأخرى؟ إن السردية الحقيقية هنا لا تتعلق فقط بحق الملكية، بل بنزيف خطير للعملة الصعبة وتهريب ممنهج للثروات. في صالونات الشمال، تتداول الألسن قصصا عن منتخبين ورؤساء جماعات يستثمرون الملايين في الجارة الإيبيرية، في مفارقة صارخة بين التصريحات الرنانة والواقع المليء بالبذخ الاستفزازي.
شبكة المصالح: كيف تعبر الملايين عبر الحدود الصامتة؟
تتحدث التقارير القادمة من عروس الشمال بشجاعة عن تورط شخصيات نافذة في شراء إقامات فارهة بأسماء زوجاتهم وأقاربهم، في محاولة بائسة ومكشوفة للتستر على ثروات مجهولة المصدر. وبينما يفرض مكتب الصرف قيوداً صارمة وخانقة على المواطن العادي الذي يحتاج بضع مئات من اليوروهات للعلاج أو الدراسة في الخارج، يجد سماسرة النخبة ثغرات وحيلا ملتوية للتهرب من الضرائب. إن غياب المساءلة الحقيقية هو ما شجع أطباء ومهندسين ورجال أعمال على تفضيل الاستجمام في شواطئ إسبانيا، ضاربين عرض الحائط بالأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب فئات واسعة من الشعب.
لغة الأرقام الدامغة: المغاربة يتفوقون على الألمان
وفقاً لإحصائيات المجلس العام للموثقين الإسبان، والتي تعد وثيقة دامغة في هذا التحقيق، استحوذ المغاربة على 7.7 في المائة من إجمالي عمليات الشراء، متجاوزين قوى اقتصادية كبرى مثل ألمانيا وإيطاليا. وإذا كان جزء من هؤلاء يمثل جيلًا من الكادحين في حقول مورسيا الذين أفنوا أعمارهم لجمع مدخراتهم، فإن الفئة التي تثير الغضب الشعبي هي النخبة التي تدفع أكثر من 3200 يورو للمتر المربع الواحد في مدريد وماربيا. هذا الرقم ليس مجرد مؤشر اقتصادي، بل هو دليل قاطع على حجم الريع الذي يغتني فيه القوي ويزداد فيه الفقير بؤساً.
غياب المساءلة ونزيف العملة الصعبة
أمام هذا الواقع المأساوي، تبرز تساؤلات حارقة: أين هي آليات الرقابة والمحاسبة؟ وكيف يُسمح لهذا النزيف المستمر للعملة الصعبة أن يهدد الأمن المالي للبلاد لصالح رفاهية القلة؟ إن استمرار هذه الممارسات يعمق هوة التفاوت الاجتماعي ويقتل أي أمل لدى الشباب في تحقيق العدالة الاجتماعية. إن صمت الجهات المعنية تجاه هذه التحويلات المليارية يعد تواطؤا غير معلن ضد مصالح الفئات المستضعفة.
خلاصة وتوصيات: صرخة من أجل العدالة المالية
في الختام، إن استمرار تدفق أموال النخبة لاقتناء عقارات إسبانيا يتطلب تدخلا فوريا وحازما من مؤسسات الدولة. نوصي بضرورة فتح تحقيقات موسعة لتقصي مصادر هذه الثروات، وتفعيل مبدأ من أين لك هذا بصرامة على كل من يتقلد مسؤولية عامة. كما ندعو هيئات المجتمع المدني لمواصلة الضغط وكشف بؤر الفساد المالي. إن بناء وطن يتسع للجميع يبدأ بوقف نزيف ثرواته ومحاسبة مهربيها، لكي لا يبقى المواطن البسيط هو الوحيد الذي يدفع ثمن الأزمات. (المصادر: تقرير المجلس العام للموثقين الإسبان، تحليلات بيانات السوق العقارية، شهادات متطابقة من أوساط اقتصادية بالشمال).



















