أعاد تنصيب فاطمة السعدي وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، إثر التعديل الحكومي الأخير، فتح نقاش عمومي حول مسارها التدبيري السابق على رأس بلدية الحسيمة، بين قراءات ترى في مواقفها النقدية السابقة تجاه شركة “العمران” عبئاً وظيفياً، وقراءة تعتبره رصيداً ميدانياً يؤهلها لإصلاح السياسات العمرانية من موقع الخبير بانتظارات المواطنين.
لم يكن الانتقال من مقعد تدبير الشأن المحلي في الحسيمة بين عامي 2009 و2015 إلى مبنى الوزارة الوصية على قطاع الإسكان مجرد تغيير في المواقع الإدارية، بل خطوة تضع نجاعة الحكامة العمومية على المحك. فالوزيرة المنتدبة تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع الملفات والشركات العمومية التي شكلت بالأمس محور انتقاداتها، ما يجعل التجربة السابقة قاعدة بيانات عملية لفهم مكامن الخلل وليس مدعاة للتوجس السياسي.
من منصة المساءلة الترابية إلى هرم التوجيه المركزي
تثبت التجربة الميدانية أن المجالس المنتخبة تظل دائماً في خط المواجهة الأول مع المواطنين، وتتحمل كلفة تعثر مشاريع التأهيل الحضري وتجهيز البنيات التحتية التي تنفذها المؤسسات العمومية، وفي مقدمتها مجموعة العمران. وانطلاقاً من هذا الواقع، فإن الاطلاع المباشر على نواقص التنفيذ ونوعية السكن المنجز يمنح المسؤولية الحكومية بعداً واقعياً يتجاوز المقاربات التقنية المغلقة داخل المكاتب المركزية.
ويتيح هذا التحول فرصة حقيقية لإعادة توجيه الاستراتيجيات القطاعية بما يضمن تفادي النواقص التي عانت منها المدن الصغرى والمتوسطة لسنوات، فالجلوس في غرفة القرار يمنح الوزارة قدرة أوضح على ممارسة رقابة فعالة تستند إلى معرفة مسبقة بالثغرات التي ترافق تنزيل الأوراش على المستوى الترابي.
امتحان “العمران” وأولويات الدعم المباشر للسكن
يتزامن تولي السعدي لهذه الحقيبة مع مرحلة بالغة الدقة عنوانها تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن وتصفية جيوب السكن غير اللائق، وهي برامج اجتماعية ترتبط بشكل مباشر بالقدرة الشرائية للأسر وبحقها الدستوري في سكن لائق. وتتطلب هذه المرحلة علاقة تكاملية جديدة بين الوزارة الوصية وذراعها التنفيذي، قائمة على وضوح الالتزامات والصرامة في دفاتر التحملات، بعيداً عن منطق السجالات السياسية الضيقة.
وعوض الانشغال باستعادة ملفات تعود لأكثر من عقد في سياق المزايدة الحزبية، تقتضي المصلحة العامة توظيف تلك المعرفة الميدانية في فرض الشفافية وجودة الإنجاز، وضمان وصول الدعم العمومي إلى مستحقيه الفعليين دون إهدار للزمن التنموي أو الموارد المالية للدولة.
أفق النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة
إن الرهان الحقيقي لا يتعلق باستعادة مواقف سابقة بقدر ما يرتبط بالقدرة على إحداث الفارق في تدبير ملفات الإسكان والتأهيل الحضري على الصعيد الوطني. والمواطن الذي ينتظر سكناً لائقاً ومرافق مكتملة لا يعنيه سوى النتيجة الملموسة على أرض الواقع.
ويبقى النجاح في هذه المهمة رهيناً بتفعيل المبدأ الدستوري القائم على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحويل الشجاعة في تشخيص المشكلات إلى شجاعة في اتخاذ القرارات الإصلاحية، بما يعيد الثقة للمواطن في نجاعة السياسات السكنية والعدالة المجالية.



















