الحسيمة – حسيمة سيتي
وجّه طارق الزفزافي، شقيق المعتقل ناصر الزفزافي، انتقادات حادة إلى الأحزاب السياسية التي تستحضر ملف معتقلي حراك الريف في سجالاتها البرلمانية، متسائلا عن المسافة بين المطالبة بحريتهم أمام الكاميرات، والاستعداد لاتخاذ خطوات عملية من أجل إنهاء معاناتهم.
وفي كلمة مصورة، رفض طارق تحويل قضية المعتقلين إلى وسيلة لتبادل الاتهامات بين الأغلبية والمعارضة، مؤكدا أن العائلات تنتظر مواقف صادقة ومبادرات ملموسة، لا خطبا تستدعي معاناة أبنائها كلما احتدم الصراع الحزبي.
واختصر موقفه بعبارة واضحة: «الحرية ديال خوتنا المعتقلين ماشي ورقة انتخابية وماشي موضوع للمزايدات».
ترحيب بالتضامن… ورفض لاستغلاله
لم ينطلق طارق الزفزافي من رفض الحديث عن المعتقلين داخل البرلمان. على العكس، أوضح أنه يرحب بكل مكون سياسي أو نقابي أو جمعوي يثير القضية ويدافع عنها، لكنه ربط ذلك بشرط أساسي: صدق الموقف وابتعاده عن تصفية الحسابات.
وهذا التمييز هو جوهر رسالته. فالمشكل، كما طرحه، ليس في أن تتبنى الأحزاب مطلب الإفراج، بل في أن يصبح هذا المطلب أداة لإحراج الخصوم، ثم يختفي بمجرد انتهاء الجلسة.
بالنسبة إليه، لا يمكن اختزال سنوات السجن وانتظار العائلات في دقائق من السجال البرلماني. فالقضية التي يعود إليها السياسيون كلما احتاجوا إلى حجة في مواجهة بعضهم، تظل بالنسبة إلى الأسر واقعا يوميا لا ينتهي بانطفاء الميكروفونات.
للعدالة والتنمية: أين كان هذا الموقف حين كنتم في الحكومة؟
خصص طارق جزءا من مداخلته لانتقاد موقف حزب العدالة والتنمية، على خلفية تدخل برلماني قال إنه تضمن المطالبة بالعفو عن معتقلي حراك الريف ومعتقلين آخرين.
وتساءل عن سبب غياب مبادرات مماثلة، أو عدم تحولها إلى نتائج، عندما كان الحزب يقود الحكومة ويتمتع بأغلبية برلمانية. كما استحضر موقع مصطفى الرميد في المسؤولية آنذاك، منتقدا ما اعتبره غياب تحرك كاف إزاء الانتهاكات التي أثارتها قضية شقيقه.
ولم يكن سؤاله موجها إلى مشروعية المطالبة الحالية بالإفراج، بل إلى اتساقها مع الممارسة السابقة: لماذا يصبح الكلام أكثر وضوحا في المعارضة، بينما لا يتحول إلى فعل بالقدر نفسه عند تحمل المسؤولية؟
إنه سؤال يضع الحزب أمام حصيلته، لا أمام بلاغه الأخير. فالموقف الحقوقي، في منطق رسالة طارق، لا يُقاس فقط بما يقوله صاحبه اليوم، بل أيضا بما فعله حين كانت لديه أدوات التأثير.
الأصالة والمعاصرة ليس خارج المساءلة
ولم يحصر طارق انتقاداته في العدالة والتنمية، بل وجّه أسئلة مباشرة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مستحضرا مشاركته في الأغلبية الحكومية السابقة ومسؤوليته السياسية الحالية.
وتساءل عما قدمه الحزب فعليا للمعتقلين، وعن سبب عدم تخصيص إشارة واضحة إلى الانفراج السياسي وملف معتقلي الريف في البرنامج الحكومي، بحسب ما ورد في كلمته.
كما اعترض على ما نقله عن سجال برلماني تضمن حديثا عن تخوين أهل الريف، معتبرا أن القضية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة للرد على كل من ينتقد الحزب أو يستحضر مسؤوليته.
المعنى الذي أراد إيصاله واضح: الدفاع عن الريف لا يثبت برفع الصوت باسمه، ولا باستعمال مأساته لإسكات الخصوم. يثبت بما يقدمه الحزب من مبادرات، وما يتحمله من مسؤولية، وما يستطيع تحقيقه للمعتقلين وعائلاتهم.
حين تصبح المعاناة مادة للسجال
تكشف كلمة طارق عن غضب من نمط متكرر في التعامل السياسي مع الملفات الحقوقية: تستحضر المعارضة تقصير الحكومة، فترد الأغلبية باستحضار مسؤولية المعارضة حين كانت في الحكم، ثم تنتهي المواجهة من دون أن يتغير شيء في حياة المعنيين بالقضية.
في مثل هذا السجال، يتبادل الجميع الاتهامات، لكن المعتقل يبقى في مكانه، والعائلة تواصل الانتظار.
وهنا تقع المفارقة التي يرفضها طارق: أن تصبح معاناة المعتقلين حاضرة بقوة في خطاب الأحزاب، وغائبة عن أولويات عملها. وأن تتحول المطالبة بالحرية إلى موقف قليل الكلفة، ما دام لا يتبعه التزام محدد أو مبادرة قابلة للمتابعة والمحاسبة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية إثارة الملف داخل البرلمان؛ فالكلمة قد تفتح نقاشا وتكسر صمتا. لكنها تفقد قيمتها حين تُستعمل بديلا عن العمل، أو حين يصبح صاحبها معنيا بإحراج خصمه أكثر من اهتمامه بإنهاء المعاناة.
مبادرة العفو… امتحان للمصداقية
في ختام انتقاداته، أشار طارق إلى حديث عن مبادرة من فيدرالية اليسار تتعلق بالعفو العام، معتبرا أن التعامل معها سيكون مناسبة لاختبار صدق المواقف المعلنة.
ووضع الأحزاب أمام سؤال عملي: هل ستساند المبادرة وتمضي بها، أم ستتراجع أو تتغيب عندما ينتقل النقاش من التصريحات إلى الالتزام؟
ولم يقدم التفريغ تفاصيل كافية عن الصيغة القانونية للمبادرة أو مرحلتها الإجرائية. غير أن الدلالة السياسية في كلامه كانت صريحة: الحكم على الأحزاب سيكون بما تفعله عندما توضع أمام خطوة محددة، لا بما تقوله في سجال مفتوح.
فالمطالبة بالحرية لا تكتمل بتسجيل موقف، بل تحتاج إلى متابعة، وتنسيق، ومثابرة، واستعداد لتحمل الكلفة السياسية للدفاع عنها.
استعادة القضية من الحسابات الحزبية
تحدث طارق كذلك عن محاولته إبقاء الملف حاضرا عبر التدوينات والفيديوهات، في ظل ما وصفه بغياب التغطية الصحفية الكافية. وبذلك بدت كلمته محاولة لاستعادة القضية من التداول الحزبي وإعادتها إلى أصحابها: المعتقلين وعائلاتهم.
وختم بالدعوة إلى الحرية لمعتقلي حراك الريف، ومعتقلي «جيل زد»، ومحمد زيان وسعيد العالمي، وسائر من وصفهم بمعتقلي الرأي.
والرسالة التي وجهها إلى الأحزاب لا تحتاج إلى كثير من التأويل: لا أحد يرفض تضامنكم، لكن التضامن ليس رخصة لاستعمال المعاناة. ومن يريد الدفاع عن المعتقلين، فعليه أن يقبل أيضا مساءلته عن ماضيه، وعن صمته، وعن حدود ما قدمه حين كان قادرا على الفعل.
بعد هذه الكلمة، لم يعد السؤال من يرفع صوته أكثر داخل البرلمان، بل من يملك استعدادا لتحويل كلامه إلى مبادرة تستمر بعد انتهاء الجلسة. أما حرية المعتقلين، فلا ينبغي أن تبقى رهينة بمن يربح الجولة الكلامية المقبلة.



















