بين جدران العالم الرقمي ومختبرات الكواليس السياسية، لم تعد تدوينات الفاعلين العموميين مجرد تعليقات عابرة، بل تحولت إلى وثائق سياسية كاشفة عن عمق الأزمة التي تنخر جسد الوساطة الحزبية وتعيد إنتاج القلق لدى المواطن البسيط التواق إلى فعل عمومي نقي ومنتج.
حين يستيقظ المواطن المغربي في مدن الهامش والمراكز الإقليمية، كالحسيمة وضواحيها، يواجه حزمة ثقيلة من الانشغالات المعيشية اليومية؛ من غلاء أسعار المواد الأساسية، إلى صعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية اللائقة، وانسداد آفاق التشغيل أمام خريجي الجامعات والشباب. وفي خضم هذا الواقع الميداني الضاغط، يتطلع هذا المواطن إلى المشهد الحزبي والتمثيلي بوصفه الحصن الدستوري الذي يُفترض فيه حمل همومه وصياغة الحلول التنموية الناجعة لمشاكله المستعصية.
غير أن المشهد الذي يُطل على المواطن عبر شاشات هاتفه ووسائط الاتصال الحديثة كثيراً ما يقدم له مسرحاً مختلفاً تماماً، ينشغل فيه الفاعلون السياسيون بصراعات النفوذ، وتصفية الحسابات التنظيمية، وإطلاق بالونات الاختبار الرقمية، بدلاً من التنافس حول البرامج والسياسات العمومية. هذا التباين الحاد بين أولويات المجتمع وانشغالات النخب يفرز حالة من الخيبة الصامتة، ويعزز القناعة الشعبية بأن السياسة، في نظر بعض ممارسيها، تحولت من خدمة للصالح العام إلى ساحة لحروب الإقصاء المتبادل والتمترس داخل المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.
في هذا المناخ السياسي المشحون، جاءت التدوينة المفصلة التي نشرتها البرلمانية السابقة وعضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، سعاد شيخي، لتقدم مادة حية للتشريح السياسي والتحليلي. إنها ليست مجرد رد انفعالي على إشاعة عابرة، بل وثيقة تسلط الضوء على الكيفية التي تُدار بها المعارك في الظل، وكيف يتحول الفضاء العمومي من ساحة للتداول الديمقراطي الراقي إلى مستنقع للشائعات التي تستهدف عزل الكفاءات وتشويه مسار الفعل الحزبي الجاد.
تعود جذور الواقعة إلى التفاعلات التي أعقبت استحقاقات الثامن من شتنبر 2021، حيث انطلقت في الأوساط السياسية والإعلامية المحلية بإقليم الحسيمة حملة من الأقاويل والهمسات غير الرسمية التي تروج لابتعاد البرلمانية السابقة سعاد شيخي عن حزب العدالة والتنمية ومغادرتها لسفينته التنظيمية. ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية الجزئية الأخيرة، اتخذت هذه الشائعات منحنى تصاعدياً، فتحولت من مجرد أحاديث في الكواليس إلى مقالات إعلامية منسوبة إلى ما سُمي بـ«مصادر مطلعة» أو «جهات من داخل الحزب»، سعت جميعها إلى تكريس فكرة العزل السياسي وإنهاء الارتباط التنظيمي بين الفاعلة الحزبية وإطارها السياسي.
وفي مواجهة هذا السيل المنظم من التسريبات، اختارت المعنية بالأمر نهجاً اتصالاتياً يقوم على الصمت الاحترازي طيلة مدة الحملة الانتخابية، مفضلة تحييد حضورها المباشر عن السجال كي لا تُستغل تصريحاتها في التشويش على حظوظ مرشحي حزبها أو إرباك التعبئة الانتخابية في لحظة دقيقة. وما إن أسدلت صناديق الاقتراع ستائرها وأُعلنت النتائج الرسمية، حتى خرجت القيادية بتدوينة مطولة وحاسمة فككت فيها خلفيات الاستهداف، مؤكدة أن انخراطها الحزبي مبني على فكرة ومشروع وقناعة لا على مناصب ظرفية، وأن أي قرار بمغادرة التنظيم، إن فُرض يوماً، سيصدر بشجاعة ووضوح أمام الرأي العام، وليس عبر تسريبات الخصوم ومناورات الكواليس.
يرسم الدستور المغربي للأحزاب السياسية وظيفة نبيلة تتجلى في تأطير المواطنين وتعزيز انخراطهم في تدبير الشأن العام والارتقاء بالممارسة الديمقراطية إلى مصاف الالتزام الأخلاقي والمسؤولية الوطنية. غير أن المقارنة بين هذا الأفق الدستوري والميدان السياسي الفعلي تُظهر هوة واسعة بين النوايا المعلنة والممارسات السائدة؛ حيث تتآكل الوعود ببناء مشهد سياسي قائم على الكفاءة والوضوح أمام التكتيكات الرامية إلى إفراغ المؤسسات من أصواتها النقدية لصالح التوافقات الهشة وتكريس سياسة الأمر الواقع.
إن الخطاب السياسي السائد لا يكف عن الحديث عن تخليق الحياة العامة وإفساح المجال أمام الطاقات النضالية والنسائية، لكن المحصلة في المحطات الانتخابية غالباً ما تكشف عن انزلاق مقلق نحو أساليب الاستنزاف النفسي والتنظيمي، حيث تصبح التدوينات الرقمية والتسريبات المجهولة أدوات بديلة عن الحوار المؤسساتي الداخلي، مما يحرم المواطن من حقه في متابعة نقاش سياسي ناضج يقوم على الشفافية وتكافؤ الفرص.
| الوعد المعلن | الجهة المسؤولة | النتيجة على الأرض | الفارق ومؤشر الأداء |
|---|---|---|---|
| تخليق الممارسة السياسية والارتقاء بأخلاقيات التنافس الانتخابي | الأحزاب السياسية والفاعلون الحزبيون | اللجوء إلى الشائعات وحملات التشكيك الممنهجة لإرباك الخصوم والزملاء | تراجع منسوب الثقة وارتفاع حدة التراشق غير الأخلاقي |
| احترام الديمقراطية الداخلية وتحصين الكفاءات الحزبية | الهيئات التقريرية والتنفيذية للأحزاب | محاولات العزل والإقصاء الصامت عبر تسريبات المصادر المجهولة | هيمنة النزعات الفردية وغياب آليات الحماية التنظيمية |
| تقديم برامج تنموية تجيب عن أولويات المواطنين المعيشية | النخب السياسية المحلية والجهوية | استنزاف الطاقات في حروب المواقع وتصفية الحسابات الفئوية | اتساع الفجوة بين انشغالات الشارع وأجندة النخب |
| تواصل مؤسساتي شفاف ومسؤول مع الرأي العام | المكاتب الاتصالية للتشكيلات السياسية | ترك الساحة لتضارب الأخبار والتصريحات الغامضة حتى انتهاء الاقتراع | ضعف الشفافية الاتصالية والاعتماد على إدارة الأزمات المتأخرة |
يكشف هذا الجدول بوضوح أن النتيجة الميدانية تسير في اتجاه معاكس تماماً للوعود التأسيسية التي تُرفع في المؤتمرات واللقاءات الجماهيرية؛ فبدلاً من أن تسهم المحطات الانتخابية في فرز نخب قادرة على الترافع الحقيقي، تتحول إلى مختبرات لاستنزاف الرأسمال البشري للأحزاب وإشغال الرأي العام بمعارك جانبية لا طائل منها.
لا تتوقف شظايا هذه الصراعات السياسية عند حدود الهيئات الحزبية المعنية، بل تمتد لتضرب في العمق نسيج الثقة المجتمعية الهش أصلاً تجاه الفعل السياسي برمته. فعندما يرى المواطن البسيط، والفاعل الاقتصادي المحلي، وأصحاب المبادرات الصغيرة في منطقة مثل إقليم الحسيمة، أن نخبتهم تنهمك في حروب التخندق والشائعات، يتولد لديهم شعور حاد بالإحباط وانعدام الجدوى من المشاركة المواطنة برمتها، ما يدفع فئات عريضة، ولا سيما فئة الشباب، نحو العزوف السياسي واللامبالاة المؤسساتية.
وبالإضافة إلى ذلك، ينعكس هذا المناخ المتسم بالإقصاء والتشكيك سلباً على جودة الترافع التنموي للمنطقة؛ فالمناطق التي تعاني من خصاص في البنيات التحتية وضعف في استقطاب الاستثمارات تحتاج إلى ممثلين ذوي مصداقية وشجاعة في التعبير عن حاجيات الساكنة ونقل معاناتها بجرأة إلى مراكز القرار بالرباط. وحين تُستنزف هذه الأصوات في معارك الداخل ومحاولات الإبعاد الممنهج، يفقد الإقليم مدافعين أشداء عن قضاياه الحيوية، ويتحول الحقل التمثيلي إلى فضاء للمجاملات السياسية الباردة التي لا تسمن ولا تغني من جوع التنمية والعدالة المجالية.
في المقابل، يرى الفاعلون السياسيون المنافسون وبعض المراقبين المحسوبين على الأغلبية السياسية المحلية أن ما يجري لا يعدو أن يكون جزءاً طبيعياً من دينامية التدافع السياسي التي تشتد وطأتها خلال المواسم الانتخابية. ويدفع هؤلاء بأن التشكيك في تموقع الفاعلين أو طرح تساؤلات حول مدى انخراطهم في دعم مرشحي هيئاتهم ينبع من حق الرأي العام والمنافسين في معرفة الخريطة الحقيقية للتحالفات والتوازنات القائمة على الأرض، معتبرين أن الغموض أحياناً يخدم أصحابه أكثر مما يخدم تنظيماتهم.
كما ترى هذه الأطراف أن التحولات السياسية العميقة التي شهدتها البلاد بعد استحقاقات 2021 فرضت قواعد لعبة جديدة تتطلب قدراً عالياً من البراغماتية وإعادة النظر في التموقعات القديمة، مؤكدة أن تداول الأخبار في الأوساط الصحفية المحلية حول ابتعاد هذا القيادي أو ذاك ليس بالضرورة مؤامرة مدبرة، بل قد يكون انعكاساً لقراءات ميدانية تستند إلى غياب بعض الوجوه عن الساحة الفعلية للحملات، وهو ما يُعد، وفق منطقهم، أمراً قابلاً للتأويل والتنافس الإعلامي المشروع في إطار التدافع الحزبي.
تتوزع المسؤولية المؤسساتية في هذا المشهد على مستويات متعددة؛ يأتي في مقدمتها العجز التنظيمي المزمن للأحزاب السياسية عن بناء آليات شفافة وقوية للتواصل الداخلي والخارجي، قادرة على تحصين مناضليها وقياداتها من حملات التسميم السياسي، وقطع الطريق أمام التسريبات المشبوهة في مهدها بدلاً من تركها تتغذى على الصمت وتطاول السمعة السياسية للكفاءات.
كما تتحمل المسؤولية أيضاً ثقافة العمل السياسي القائمة على منطق «الغنائم والمواقع» بدلاً من منطق «المشروع والرسالة»، حيث تسود ممارسات أقرب إلى مراهقة سياسية تعتمد التشهير والشائعة لتصفية الحسابات بدلاً من الحوار المباشر والشجاع؛ وهي ممارسات تتغذى أحياناً على صمت بعض القيادات الحزبية المركزية التي تفضل عدم التدخل الحاسم لحماية قواعد اللعبة الديمقراطية، تاركة الحبل على الغارب لصراعات الزعامات المحلية التي تستنزف المصداقية الحزبية العامة وتكرس فراغ الوساطة المؤسساتية.
يقتضي إصلاح هذا الوضع والانتقال بالممارسة السياسية إلى أفق محترم اتخاذ خطوات عملية وشجاعة تبدأ من داخل البيوت الحزبية ذاتها، وذلك عبر مأسسة آليات التعبير الداخلي وحماية التعددية الفكرية والنقدية داخل التنظيمات، مع سن مواثيق أخلاقية صارمة تضمن عدم اللجوء إلى التسريبات المجهولة لتصفية الحسابات، وفرض عقوبات تأديبية تنظيمية واضحة ضد كل من يوظف الشائعات الرقمية لضرب مصداقية زملائه أو خصومه السياسيين.
وفي السياق ذاته، يبرز واجب الصحافة المحلية والوطنية في الارتقاء بمستويات التحقق المهني، والامتناع عن التحول إلى منصات لتمرير الرسائل المسمومة تحت غطاء «المصادر المجهولة»، والتركيز بدلاً من ذلك على تشريح البرامج الانتخابية ومساءلة الحصيلة العمومية للمنتخبين. كما تقع على عاتق الفاعلين السياسيين مسؤولية استعادة ثقة الشارع عبر تبني خطاب الصراحة والشجاعة في إعلان المواقف، والانشغال بتقديم مقترحات ملموسة لمشاكل المواطنين اليومية بدل التمترس خلف جدران المناورات الضيقة التي لا تخدم سوى الإحباط وتراجع الاهتمام بالشأن العام.
إن الموقف الذي عبّرت عنه سعاد شيخي في تدوينتها الأخيرة، رغم طابعه الدفاعي المشروع، يقدم درساً بليغاً في إعادة الاعتبار لمفهوم «الانتماء الحزبي الأخلاقي» القائم على المبدأ والفكرة والمشروع المجتمعي، لا على مجرد التواجد العابر في موقع انتخابي أو مسؤولية ظرفية. وهذا التمييز هو الترياق الحقيقي لمواجهة السيولة السياسية والترحال المقنع الذي أفقد المؤسسات التمثيلية جاذبيتها لدى المواطن المغربي.
إن المطلوب اليوم، ونحن نتطلع إلى مغرب المؤسسات والعدالة الاجتماعية، ليس التباكي على أخلاقيات السياسة المفقودة، بل ممارسة المحاسبة الشعبية والمؤسساتية الهادئة والصارمة عبر صناديق الاقتراع، وبواسطة الرقابة المدنية اليقظة التي تفرز بين من يملك مشروعاً تنموياً يخدم الصالح العام ويدافع عن قضايا المجتمع، وبين من يستند إلى سلاح الدسائس والكواليس؛ فالمواطن البسيط يستحق مشهداً سياسياً راقياً ينتصر لكرامته أولاً، ويرتقي إلى مستوى التحديات التنموية الكبرى للوطن.




















