ما وراء اللغة الخشبية: أزمة الخطاب المؤسساتي في تدبير الأزمات الاجتماعية

حسيمة سيتي13 سبتمبر 2026آخر تحديث :
ما وراء اللغة الخشبية: أزمة الخطاب المؤسساتي في تدبير الأزمات الاجتماعية
بقلم: رشيد البراني

في الوقت الذي يواجه فيه المواطن المغربي تعقيدات يومية متزايدة في قطاعات حيوية كالتعليم، يجد نفسه في مواجهة نمط من التواصل الحكومي يبتعد عن جوهر المعالجة التقنية والميدانية، ليركن إلى لغة أقرب إلى “الإنشاء الخطابي” منها إلى “التدبير المسؤول”. حينما تتقلص مسافة الثقة بين المسؤول والشارع، لا تعود الأرقام أو الطموحات المعلنة ذات قيمة إن افتقرت إلى سند من الواقع، بل تصبح مدعاة لإحباط إضافي يضاعف من معاناة الأسر التي تئن تحت وطأة الالتزامات اليومية وتراجع جودة الخدمات العمومية.

إن ما يثير القلق ليس مجرد هفوة في تصريح أو ضعف في الكاريزما السياسية، بل هو الانفصام المتزايد بين طموحات الدولة في الإصلاح وبين الممارسة التواصلية لمن يمثلونها. عندما يتحول تدبير ملفات مصيرية من قبيل إصلاح منظومة التعليم إلى خطاب يتأرجح بين التمني والدعاء، دون تقديم خارطة طريق واضحة أو ضمانات قابلة للقياس، فإننا نكون أمام حالة من “الهروب إلى الأمام” التي تكرس أزمة الثقة وتفرغ الممارسة السياسية من معناها التداولي والمؤسساتي.

1. عرض الملف والوقائع

يجد فوزي لقجع، بصفته الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، نفسه في قلب المعادلة السياسية المغربية، ليس فقط كمدبر للمالية العمومية، بل كواجهة تواصلية في ملفات تتجاوز النطاق التقني الصرف. وقد برز هذا التوجه في تجمعات خطابية حاول فيها استحضار لغة التحدي في قطاعات كبرى، مستشهداً بمسارات “النجاح” في المجال الرياضي لإسقاطها قسراً على قطاع التعليم، في محاولة لربط التجويد بـ “الدعاء” عوضاً عن التخطيط الاستراتيجي الرصين.

إن هذا السياق يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة الممارسة السياسية الحالية، حيث يتم استبدال لغة الأرقام والمؤشرات الدقيقة بعبارات غارقة في الركاكة والتصنع، تفتقر إلى النبرة الديمقراطية وتستحضر، في المقابل، نبرة إدارية مخزنية لا تخطئها الأذن. هذا الأسلوب يضع الممارسة السياسية في مواجهة مباشرة مع وعي المواطن، الذي ينتظر حلولاً ملموسة لمشاكل التعليم والقدرة الشرائية، لا شعارات تتجاهل تعقيدات الواقع الميداني.

2. الفارق بين الوعد والنتيجة

تكمن المعضلة الحقيقية في محاولة تصدير نموذج “التسيير الرياضي” الذي يعتمد على السرعة والنتائج المباشرة نحو قطاع التعليم الذي يحتاج إلى نفس طويل وإصلاحات بنيوية. إن المقارنة بين الوعد بالانتقال إلى “الرتبة 6” والواقع الميداني، تظهر فجوة عميقة تعكس غياب المعرفة الدقيقة بتحديات قطاع التربية والتكوين، وتؤكد أن الخطاب السياسي في هذا الملف لا يزال يفتقر إلى الرؤية التشاركية والالتزام المالي والميداني الدقيق.

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
الارتقاء بالتعليم كما في الرياضةوزارة الميزانية/القطاعات المعنيةاستمرار الاحتجاجات وتدهور البنياتفجوة شاسعة بين الطموح والواقع
الاعتماد على الكفاءة التقنيةالحكومة (فريق العمل)تغليب اللغة التواصلية على التنفيذغياب المنهجية التشاورية

3. الأثر على المجتمع

إن هذا النمط من التدبير يترك آثاراً سلبية مباشرة على فئات واسعة، لاسيما الطبقة المتوسطة والفقيرة التي تعاني من “أزمة انتظار”. فالوعود غير المؤسسة على أرقام أو برامج زمنية دقيقة تؤدي إلى حالة من الإحباط الجماعي، وتدفع الأسر المغربية إلى فقدان الثقة في المؤسسات العمومية، مما يضطرها إلى الالتجاء للبدائل الخاصة المكلفة التي تستنزف قدرتها الشرائية وتعمق الفوارق الاجتماعية.

علاوة على ذلك، فإن الخطاب الذي يفتقر إلى الكاريزما السياسية والوضوح يضعف من جاذبية العمل المؤسساتي ويؤدي إلى عزوف أكبر عن الشأن العام. عندما يشعر المواطن أن قراراته الكبرى تُبنى على التمنيات وليس على الدراسات، فإن ذلك لا يؤدي فقط إلى تأخير الإصلاح، بل يساهم في تأزيم المناخ الاجتماعي العام، حيث يغيب الفاعل السياسي القادر على استيعاب تطلعات المواطنين وترجمتها إلى سياسات ملموسة.

4. صوت الطرف الآخر

في المقابل، تدافع المؤسسات المعنية عن أدائها بالتركيز على التحديات الاقتصادية والظروف الدولية الصعبة التي تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على الميزانية العامة. يرى المسؤولون في هذا السياق أن المبادرات الميدانية، حتى وإن بدت ذات طابع تواصل خاص، تهدف إلى ضخ روح الحماس في الإدارة والقطاعات التي تعاني من “البيروقراطية”، مع التأكيد على أن الميزانيات المخصصة للتعليم قد شهدت زيادات قياسية في السنوات الأخيرة.

كما تشير الأطراف الحكومية إلى أن التصريحات التي قد تبدو “عفوية” أو غير متقنة سياسياً، تأتي في سياق رغبة حقيقية في كسر الجمود الإداري، ومحاولة لتبسيط المفاهيم السياسية لتقريبها من الجمهور. وتشدد هذه الجهات على أن المراهنة على تحقيق نتائج ملموسة في قطاعات كبرى هو مسار طويل الأمد، وأن الدولة بصدد وضع أسس تدريجية للإصلاح تتجاوز اللحظات الخطابية إلى إجراءات تقنية تجري في المكاتب والميادين بعيداً عن أضواء التجمعات.

5. أين تكمن المسؤولية؟

تكمن المسؤولية في جوهرها في غياب “الرؤية السياسية” التي تدمج بين الكفاءة التقنية والقدرة على التواصل الجماهيري. إن الخلل المؤسساتي ليس في نقص الموارد فقط، بل في غياب التنسيق بين التوجهات الكبرى للدولة وبين الأداء الفردي للوزراء الذين باتوا يغلبون لغة التكنوقراط على لغة السياسة، مما يفرغ القرارات الحكومية من بعدها التشاركي ويجعلها تبدو كأنها أوامر فوقية بعيدة عن نبض الشارع.

كما يبرز غياب آليات المحاسبة والتقييم الدوري للأداء الحكومي كعنصر حاسم في هذه الأزمة. فالتصريحات غير المسؤولة أو غير الواقعية تمر دون مساءلة برلمانية حقيقية أو تصحيح مؤسساتي، مما يكرس منطق “الارتجال” في تدبير الشأن العام. إن التمادي في تغييب الكفاءة السياسية والاعتماد على لغة “مخزنية” في التدبير، يمنع من ظهور نخبة قادرة على مواجهة تحديات البلاد بجرأة وشفافية.

6. ما الذي يجب أن يتغير؟ (توصيات تصحيحية)

يتعين أولاً على الحكومة إعادة صياغة ميثاق تواصلها مع المواطنين، بحيث يعتمد على الشفافية والصدق مع الواقع عوضاً عن لغة التمنيات. يجب أن تتحول الخطابات السياسية إلى عروض تقنية مسنودة بجدول زمني واضح ومؤشرات أداء دقيقة يمكن للبرلمان وللمجتمع المدني تتبعها ومساءلة المسؤولين بناءً عليها، مع تجاوز لغة “الاستعلاء الإداري” نحو لغة تحترم ذكاء المواطن.

علاوة على ذلك، ينبغي تعزيز دور المؤسسات التمثيلية والرقابية في مساءلة أصحاب القرار عن تصريحاتهم ووعودهم. إن الإصلاح لا يبدأ بقرارات فوقية، بل بخلق فضاء للتداول العمومي يضمن مشاركة الكفاءات الوطنية في صياغة الحلول، بعيداً عن نزعات “المركزية” في اتخاذ القرار. إن بناء الثقة يتطلب أفعالاً تسبق الأقوال، وسياسات تضع مصلحة المواطن في قلب المعادلة عوضاً عن منطق “التسويق السياسي”.

7. خاتمة: دعوة إلى المحاسبة والنهوض

إن مستقبل الشأن العام في المغرب يتوقف على قدرة مؤسساتنا على التحرر من أساليب الماضي في تدبير التحديات الراهنة. إن الدعوة إلى المحاسبة ليست دعوة للصدام، بل هي دعوة لمأسسة العمل الحكومي بما يضمن الكفاءة، والوضوح، والإنصاف للمواطن الذي ظل دائماً هو المحرك الحقيقي لأي إصلاح منشود.

علينا جميعاً أن ندرك أن استقرار البلاد وازدهارها مرهون بوجود نخبة سياسية قادرة على ملامسة هموم الناس بلغة صادقة وأفعال ملموسة، تبتعد عن التمنيات العقيمة وتركز على التخطيط الاستراتيجي. إن لحظة المحاسبة والنهوض ليست خياراً، بل ضرورة يفرضها الواقع الاجتماعي المتطلب، والمسؤولية الملقاة على عاتق كل من يتولى تدبير شؤون هذا الوطن.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق