سجل فريق العدالة والتنمية بمجلس جماعة الحسيمة امتناعه عن التصويت على مشروع ميزانية سنة 2027، مبرراً موقفه برصد اختلالات حسابية وتناقضات جوهرية بين مجاميع المداخيل وتفاصيل الأبواب، في خطوة تعيد طرح إشكالية التدقيق المالي وأثره المباشر على مصالح الساكنة المحلية المعلقة على دقة الاعتمادات المرصودة.
ولم تتوقف الملاحظات المسجلة من طرف المعارضة عند حدود الهفوات الشكلية العابرة، بل لامست عمق الوثيقة المالية التأسيسية لتدبير المدينة، بعدما أظهرت المقارنات تفاوتاً واضحاً بين الأرقام المدرجة في ملخص الميزانية وتلك المبثوثة في فصولها التفصيلية، مما يطرح علامات استفهام مقلقة حول مسارات إعداد الوثائق التوجيهية ومدى خضوعها للفحص التقني القبلي قبل إحالتها على التداول العام والمصادقة.
منطق الحسابات وانعكاسه على التزامات التنمية
وتكتسي هذه الهفوات الرقمية بعداً يتجاوز الجدل السياسي بين الأغلبية والمعارضة، لكون الميزانية الجماعية لا تمثل مجرد تمرين إداري روتيني، وإنما تشكل عقداً تنموياً يترجم الأولويات الملحة للشارع إلى اعتمادات تسيير واستثمار. وأي ارتباك في تقدير الموارد أو تفصيل النفقات ينتقل تلقائياً ليعرقل صيانة المرافق الحيوية، وتطوير الخدمات الأساسية التي ينتظرها المواطن في أحيائه اليومية.
وفي المقابل، بات المكتب المسير لجماعة الحسيمة مطالباً بتقديم إيضاحات تقنية شافية تزيل الغموض حول سلامة التقديرات وتطابق أبواب الصرف والمداخيل، إذ إن إقرار وثيقة تفتقر إلى الانسجام الحسابي الداخلي يضعف من مصداقية المجلس في تدبير المال العام، ويفتح الباب أمام تعطيل البرامج بفعل صعوبات تقنية ستبرز حتماً عند التنفيذ الميداني لمشاريع القرب.
سلطة الرقابة وحدود تصحيح المسار المؤسساتي
ومع تفاقم هذه المؤشرات الحسابية المقلقة، تتجه الأنظار نحو عمالة إقليم الحسيمة بوصفها سلطة رقابة إدارية ومالية، حيث تفرض المقتضيات القانونية الجاري بها العمل فحص التوازن والشرعية المالية لمشاريع الميزانيات، وهو ما يرجح إمكانية إعادة الوثيقة إلى طاولة المجلس لتصحيح التناقضات وتدارك الخلل قبل سريان آثارها الملزمة.
إن تجويد الفعل التدبيري المحلي يستدعي مغادرة منطق التمرير العددي للوثائق المصيرية، والارتقاء إلى مستوى التدقيق الصارم الذي يحترم ذكاء الساكنة ويحمي مواردها. وتبقى العودة إلى فحص الأرقام بروح المسؤولية المؤسساتية المدخل الوحيد لتفادي هدر الزمن التنموي، وضمان توجيه كل درهم جماعي نحو مستحقيه دون ارتباك أو ارتجال.



















