مدريد — وصل العاهل الإسباني الملك فيليبي السادس وقرينته الملكة ليتيزيا، اليوم، إلى مدينة سبتة في زيارة رسمية هي الأولى من نوعها منذ قرابة 19 عاماً، في خطوة تأتي وسط أجواء سياسية وأمنية محتقنة أعقبت موجات الهجرة المكثفة التي شهدتها المنطقة أواخر يوليوز الماضي، حاملاً رسائل تجمع بين تأكيد الانتماء الأوروبي للمدينة والتشديد على محورية التنسيق الثنائي مع الرباط لضمان الاستقرار الإقليمي.
وقفة إنسانية عند مقابر ضحايا الهجرة
واستهل الوفد الملكي الإسباني أنشطته بمحطة ذات دلالة إنسانية لافتة عبر التوجه إلى مقبرة «سيدي إمبارك» الإسلامية، حيث وقف العاهل الإسباني على قبور المهاجرين الذين قضوا نحبهم خلال محاولات العبور الجماعية الأخيرة نحو الجيب الخاضع للإدارة الإسبانية. وجاءت هذه الالتفاتة في خضم نقاشات حقوقية متصاعدة ترصد الكلفة البشرية الباهظة لسياسات ضبط الحدود والضغط الأمني المتواصل على خطوط التماس الفاصلة.
وتعكس هذه الزيارة الميدانية مسعى لتوجيه رسائل تهدئة للمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية التي عبرت عن قلقها البالغ إزاء ظروف العبور وحالات الغرق المتكررة، مسلطة الضوء على البعد المأساوي الذي يرافق ضغوط التدفقات البشرية المستمرة على المعابر البحرية والبرية للمنطقة.
تحذيرات من الانفجار ومطالب بالترحيل القانوني
وعقب الجولة الميدانية، عقد الملك فيليبي السادس جلسة عمل موسعة مع خوان خيسوس فيفاس، رئيس الحكومة المحلية لسبتة، الذي استعرض الصعوبات اللوجستية والأمنية الخانقة التي تواجهها السلطات المحلية، محذراً من التداعيات الخطيرة للضغط الديموغرافي المتسارع.
«إن المدينة تعيش أصعب لحظاتها في التاريخ الحديث، وباتت تشبه طنجرة ضغط قد تفجر الأوضاع في أي لحظة ما لم تتخذ تدابير استثنائية لمعالجة الاختناق القائم.»
وفي معرض رده على هذه التحذيرات، شدد العاهل الإسباني على التزام بلاده بتفعيل القنوات القانونية لإعادة المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم الأصلية، مؤكداً في الوقت نفسه على ضرورة معاملة الوافدين بما يمليه القانون الدولي من كرامة وإنسانية إلى حين الحسم في ملفاتهم وتسوية وضعياتهم الإدارية بشكل رسمي.
تأكيد على الهوية الأوروبية والشراكة مع المغرب
وفي الشق الدبلوماسي، أكد فيليبي السادس أن حدود سبتة تشكل جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الحدودية للاتحاد الأوروبي، معتبراً أن أي ضغط أو تهديد يطالها يمس الأمن المشترك للقارة بأكملها، ومشيراً في الآن ذاته إلى أن تدبير هذا الملف المعقد يظل مرتبطاً بمتانة العلاقات الاستراتيجية مع المملكة المغربية القائمة على الثقة المتبادلة وحسن الجوار.
وتتجه الأنظار خلال المرحلة المقبلة إلى ما ستسفر عنه هذه الزيارة من تنسيق عملياتي بين مدريد والرباط والمفوضية الأوروبية، في ظل ترجيحات بأن تسهم مخرجاتها في بلورة سياسات حدودية تجمع بين الحزم الأمني والمعالجة الإنسانية لملف الهجرة الشائك.



















