افتتح مجلس النواب المغربي ولايته التشريعية الجديدة بمشهد متوتر طغى عليه الصراخ والاحتجاجات، وذلك خلال الجلسة المخصصة لانتخاب رئيس الغرفة الأولى، حيث تصاعد الاحتقان إثر منع نواب تحالف اليسار من حقهم في إثارة نقطة نظام، وهو ما حول الجلسة الافتتاحية إلى ساحة لتبادل الاحتجاجات عوض أن تكون منصة لبناء توافقات تدبيرية.
لقد تزامنت هذه الاحتجاجات مع عملية انتخاب رئيس مجلس النواب، حيث أسفرت النتائج عن فوز أحمد التويزي، مرشح حزب الأصالة والمعاصرة، بـ 220 صوتاً، متفوقاً على منافسه إدريس الأزمي الإدريسي، مرشح حزب العدالة والتنمية، الذي حاز على 59 صوتاً. هذا التباين العددي في التصويت يعكس موازين القوى السياسية داخل القبة، لكنه في الوقت نفسه سلط الضوء على أزمة التواصل داخل المؤسسة التشريعية.
دلالات الاحتقان في أولى خطوات الولاية التشريعية
إن ما شهدته الجلسة ليس مجرد مناوشات عابرة، بل هو مؤشر على وجود فجوة في تدبير المسارات الديمقراطية داخل أروقة البرلمان. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن المغربي من ممثليه طرح ملفات الغلاء والقدرة الشرائية وإصلاحات القطاعات الاجتماعية الحيوية، تبدو المؤسسة التشريعية أحياناً غارقة في صراعات إجرائية حول التسيير وتدبير الزمن البرلماني.
تعمد عدد من النواب إلى الصراخ لمحاولة حجب صوت نواب تحالف اليسار ومنعهم من إبداء ملاحظاتهم، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أخلاقيات العمل السياسي ومنطق التعددية الذي يجب أن يسود داخل مؤسسة يفترض فيها أن تكون الملاذ الأول للحوار الهادئ والعقلاني. إن تغييب صوت الأقلية البرلمانية، بغض النظر عن قوتها العددية، يُضعف من مصداقية النقاش العمومي ويُحول الجلسات من فضاء لتجويد القوانين إلى ساحة للمغالبة الرقمية فقط.
البرلمان بين هاجس التسيير وتطلعات المواطن
لا يختلف اثنان على أن العملية الديمقراطية تتطلب احترام المساطر، لكن الاحترام لا يعني أبداً مصادرة الحق في الكلام. إن المحك الحقيقي الذي ينتظر رئاسة مجلس النواب في هذه الولاية، هو قدرتها على الانفتاح على كافة المكونات السياسية والارتقاء بالممارسة البرلمانية فوق منطق الاحتجاج داخل القاعة. فالمواطن البسيط الذي يتابع هذه المشاهد من بيته، لا يبحث عن صراعات الكراسي أو تصفية الحسابات السياسية، بل ينتظر أن تتحول هذه المؤسسة إلى قوة اقتراحية تُترجم معاناته اليومية إلى سياسات عمومية ملموسة.
إن الانتقال من منطق التنافر إلى منطق المسؤولية السياسية يتطلب من كافة الفاعلين، سواء في الأغلبية أو المعارضة، تغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة. فالاستقرار البرلماني لا يتحقق بالقمع الصوتي أو بالاحتجاجات الصاخبة، بل بالاحتكام إلى الدستور والقانون الداخلي الذي يضمن للجميع حق التعبير، ويضع في جوهره التزاماً لا يقبل التأويل بخدمة قضايا المجتمع التي أصبحت اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.



















