أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، أمام البرلمان، عزم مؤسستها تجريم الإثراء غير المشروع ومعاقبة تضارب المصالح، في خطوة مفاجئة تعيد إلى الواجهة نقاشاً محتدماً حول ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتأتي بعد سنوات من سحب مشروع قانون مثير للجدل من المؤسسة التشريعية سنة 2021.\n\n
جاء هذا التعهد الرسمي في وقت يعيش فيه المواطن البسيط تحت وقع ضغوط معيشية متزايدة، ما يجعل أي حديث عن الشفافية وتخليق الحياة العامة محط أنظار الشارع الذي ينتظر الأثر العملي لا مجرد الوعود الخطابية. وأكدت رئيسة الحكومة خلال عرض برنامجها الحكومي أن استعادة ثقة المؤسسات تظل رهينة بمحاربة حقيقية للفساد، مشيرة إلى الالتزام بتفعيل مقتضيات الفصل 36 من الدستور الذي يفرض صرامة في التصدي لتنازع المصالح وحماية المال العام من كل أشكال الانحراف.\n\n
خلفيات الذاكرة التشريعية وسؤال الجدية
\n\n
لا يمكن قراءة هذه التعهدات بمعزل عن سياقها الزمني والسياسي، خصوصاً أن الحكومة الحالية نفسها، ومن خلال مكوناتها التي ضمت الأسماء ذاتها قبل نحو خمس سنوات، كانت قد بادرت إلى سحب مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي. ذلك المشروع الذي أحيل لأول مرة على البرلمان سنة 2016 وظل حبيس رفوف الخلافات الحزبية، وُبرر سحبه آنذاك بصعوبة التعديلات المجزأة والحاجة إلى مقاربة شمولية، وهو ما يفسر حذر المتابعين اليوم وترقبهم لما إذا كانت هذه الالتزامات ستتحول إلى نصوص قابلة للتنفيذ أم ستظل مجرد محطة أخرى من محطات إبراء الذمة السياسية.\n\n
وفي محاولة لتبديد الشكوك، شددت المنصوري على أن مسارها السياسي الطويل يفرز التزاماً مبدئياً بهذه القضايا، معلنة عن آليات جديدة تشمل تعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على الامتيازات غير المشروعة، فضلاً عن إطلاق إصلاحات هيكلية لتنظيم الأسواق ومواجهة الاحتكار والوساطة الانتهازية بالتنسيق مع مجلس المنافسة.\n\n
الصفقات العمومية واختبار المنافسة الحرة
\n\n
وفي صلب الاهتمام المرتبط بتدبير المال العام، لفتت الحكومة الانتباه نحو ضرورة إرساء آليات دقيقة لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في حالات التواطؤ المحتملة بطلب العروض. تمثل هذه النقطة المحك الحقيقي الذي تراقبه الفئات الاقتصادية المتضررة والمقاولات الصغرى، حيث غالباً ما تصطدم المبادرة الحرة بحواجز الوساطة واحتكار الصفقات من طرف شبكات النفوذ.\n\n
وبين بلاغة النصوص الدستورية الواقعية وتحديات التطبيق الميداني، يبقى الشارع المغربي والمؤسسات الرقابية في انتظار ما سيسفر عنه هذا الورش التشريعي الجديد، ليس فقط من حيث ملاءمة القوانين، بل على مستوى الإرادة السياسية الفعلية لترجمة الشعارات إلى واقع يعيد التوازن للمشهد العام ويؤسس لعدالة اقتصادية حقيقية.


















