عفو سريع للمشجعين… وصمت طويل في ملف المعتقلين: لماذا تكيل الدولة بمكيالين؟

حسيمة سيتيمنذ 3 دقائقآخر تحديث :
عفو سريع للمشجعين… وصمت طويل في ملف المعتقلين: لماذا تكيل الدولة بمكيالين؟
بقلم: أنوار الإدريسي

في المغرب، لا تبدو العدالة دائمًا على المسافة نفسها من الجميع. فحين يتعلق الأمر بمشجعين سينيغاليين ارتكبوا أعمال عنف وتخريب في حق مواطنين مغاربة ورجال أمن، يتحرك العفو الملكي بسرعة لافتة، وكأن الدولة تريد طي الصفحة في أقرب وقت. أما حين يتعلق الأمر بمعتقلين سياسيين أو نشطاء خرجوا إلى الشارع مطالبين بمدرسة ومستشفى وحق في حياة كريمة، فإن الملف يتحول إلى جدار صلد، وتصبح لغة الدولة أكثر قسوة، وأكثر ميلًا إلى التأجيل والتبرير واستعراض “هيبة” لا يراها المواطن إلا حين تُستخدم ضده.

هذا التناقض هو جوهر الأزمة. ليس السؤال هنا هل يستحق المشجعون العفو أم لا، ولا هل أخطأوا أم لم يخطئوا؛ فالقضايا الجنائية بطبيعتها تخضع لتقدير الدولة وسيادتها في العفو والمراجعة. لكن الإشكال الحقيقي هو: لماذا تُبدي الدولة مرونة في ملفات العنف والاعتداء، ثم تتشدد إلى أقصى الحدود في ملفات الاحتجاج السياسي والاجتماعي؟ لماذا يصبح العفو أداة للتهدئة حين يكون الفعل مجرّدًا من أي بعد سياسي، بينما يغيب حين يكون المعتقل قد رفع صوته باسم الحق في الكرامة والتنمية؟

الجواب لا يحتاج كثيرًا من التحليل حتى يظهر: الدولة هنا لا تتعامل مع الأفعال فقط، بل مع رمزية الفعل.
فعندما يكون الفاعل أجنبيًا أو في ملف لا يهدد الصورة السياسية للدولة، يسهل الاستثمار في لغة التسامح والرحمة والتدبير الهادئ. أما حين يكون الملف مرتبطًا بحراك اجتماعي أو بمطلبية سياسية، فإن الدولة تصير أكثر حساسية، كأنها لا تعاقب الفعل وحده بل تعاقب أيضًا الرسالة التي حملها. وهنا تتحول العدالة من معيار قانوني إلى أداة ترتيب سياسي.

المفارقة أكثر إيلامًا حين نقرأ الرسالة التي تصل إلى الشارع: من يعتدي بالعنف يمكن أن يجد باب العفو مفتوحًا، أما من يطالب بالماء والمدرسة والمستشفى فقد ينتظر سنوات دون أن يلوح في الأفق أي انفراج جدي. هذه ليست فقط ازدواجية في القرار، بل إهانة رمزية لفكرة المواطنة نفسها. لأن المواطن حين يرى أن كرامته في الاحتجاج أقل قيمة من راحة الدولة في العقاب، فإنه يفهم أن ميزان الوطن ليس واحدًا للجميع.

ثم إن هذا السلوك يعيد إنتاج منطق قديم في إدارة المجال العام: التساهل مع ما لا يربك المركز، والتشدد مع ما يطال جذور الخلل. لذلك، فإن العفو في الملفات “الآمنة” سياسيا يبدو سهلاً وسريعًا، بينما يصبح الإفراج عن المعتقلين السياسيين قضية سيادة وهيبة ومبدأ.
لكن أي هيبة هذه التي تخاف من الإفراج عن شباب لم يرفعوا السلاح، ولم يعتدوا على الناس، بل رفعوا مطالب اجتماعية صريحة؟ وأي دولة هذه التي تصف المطالبة بالمستشفى والمدرسة بأنها تهديد، بينما تتعامل مع العنف في بعض الملفات بمنطق “الاحتواء” و”طي الصفحة”؟

الأكثر سوءًا أن هذه الازدواجية لا تقف عند حد القرار، بل تمتد إلى الخطاب. ففي الملفات الأمنية أو الرياضية أو الاجتماعية غير الحساسة، تتحدث الدولة عن المصالحة والتسامح وإعادة الإدماج. أما في الملفات السياسية ذات الجذر الاجتماعي، فيُستدعى القانون بصرامة انتقائية، وتُرفع لافتة “لا أحد فوق القانون” وكأن القانون لا يُستحضر إلا عندما يكون الطرف الأضعف هو المطلوب إسكاته.

من هنا، يصبح السؤال أكبر من واقعة العفو نفسها. إنه سؤال عن فلسفة الدولة في التعامل مع مواطنيها: هل هي فلسفة عدل أم فلسفة إدارة صورة؟ هل العفو مبدأ إنساني شامل، أم أداة ظرفية تُستخدم عندما يناسب ذلك مزاج السلطة؟
فإذا كانت الدولة ترى أن استعادة السلم الاجتماعي تتحقق بالعفو عن من أخطأوا في حق الآخرين، فلماذا لا تعتبر أن استعادة الثقة الوطنية تستحق أيضًا الإفراج عن من لم يحملوا إلا مطلب الكرامة؟

إن الاحتجاج على هذا التمييز ليس دفاعًا عن الفوضى، بل دفاع عن التناسب.
فليس من المنطقي أن تُغلق أبواب الإفراج أمام من دفعوا ثمن مطالب اجتماعية، بينما تُفتح بسرعة في ملفات أخرى أشد فظاعة من حيث الأثر الرمزي على الضحايا. ولا من العدل أن تتحدث الدولة عن “الاستثناء” في حال وتحوّل العقاب إلى قاعدة في حال آخر.

في النهاية، تبقى القضية قضية معيار قبل أن تكون قضية قرار.
والدولة التي تريد احترام نفسها حقًا لا تحتاج إلى الازدواجية كي تُثبت قدرتها على الحسم، بل تحتاج إلى عدالة متماسكة، لا تُفاجئ الناس في كل مرة بمكيال جديد.
أما حين يصبح العفو مع البعض والصلابة مع البعض الآخر هو القاعدة، فإن الرسالة التي تتسرب إلى المجتمع واضحة جدًا: ليس كل المواطنين متساوين أمام الدولة، وليس كل الألم يستحق الإنصاف ذاته.

المصدر خاص - حسيمة سيتي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق