زلزال ميدلت الانتخابي: حين ينطق تهميش الجبال من شاشات الهواتف إلى قبة البرلمان

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
زلزال ميدلت الانتخابي: حين ينطق تهميش الجبال من شاشات الهواتف إلى قبة البرلمان
بقلم: عبد السلام العمراني

حين تنفجر صناديق الاقتراع بلغة الحقيقة الميدانية، وتسقط البيروقراطية التقليدية أمام عدسة هاتف محمول ينقل أنين الجبال، يفتح المشهد السياسي المغربي باباً واسعاً على تساؤلات عميقة حول جدوى الخطاب الرسمي وأزمة الثقة المستحيلة بين المواطن وصناع القرار.

لم تكن مفاجأة دائرة ميدلت مجرد عابرة استثنائية في مسار استحقاقات تشريعية عادية، بل كانت مرآة عارية تعكس الفجوة الهائلة بين ما يُخطط له في غرف القرار المغلقة، وما يعيشه المواطن البسيط في تفاصيله اليومية القاسية. حين يتحول شاب عشريني، يحمل هموم قريته الجبلية عبر كاميرا هاتفه النقال، إلى رقم قياسي يتقدم على أسماء سياسية تقليدية راكمت الاستفادة من ركود المشهد، فإن ذلك يعلن بصريح العبارة أن القواعد التقليدية للعمل السياسي باتت في رمقها الأخير، وأن المجتمع وجد طرقه الخاصة لانتزاع التمثيلية حين تعطلت قنوات الإنصات المؤسساتي.

إن تتبع القصة يتجاوز حدود الفوز الشخصي لمرشح شاب، ليكشف عن جغرافية كاملة من الإقصاء المترسب خلف قمم الجبال، حيث لا تصل التنمية إلا شعارات موسمية تذوب مع أول قطرة مطر أو أول موجة برد قارس.

في المشهد السياسي لإقليم ميدلت، وضمن محطة الانتخابات التشريعية الأخيرة، برز اسم الشاب عبد العزيز باريك، المعروف رقمياً بأسامة باريك، الحاصل على الإجازة في الجغرافيا والبالغ من العمر ستة وعشرين ربيعاً، ليفجر إحدى أكبر مفاجآت الاستحقاق باسم حزب الوحدة والديمقراطية. هذا الفوز لم يأتِ وليد تحالفات حزبية كلاسيكية أو ماكينات انتخابية ضخمة، بل جاء ثمرة مسار ميداني طويل بدأه الشاب من منصات التواصل الاجتماعي، ناقلاً عبره تفاصيل المعاناة اليومية لسكان المناطق الجبلية والجنوب الشرقي، ومطارداً أسئلة التنمية الترابية وفك العزلة في قرى منسيّة مثل أسنتاث وإملشيل، متفوقاً بذلك على وجوه سياسية مخضرمة تنتمي لأحزاب وازنة كالحركة الشعبية والأصالة والمعاصرة.

وقد جاء هذا الإنجاز الانتخابي في سياق تنظيمي ومالي شديد التعقيد، حيث كشف الأمين العام لحزب الوحدة والديمقراطية، عبد المالك دحشور، أن الحزب ومرشحيه خاضوا غمار هذه المعركة دون التوصل بالدعم المالي المخصص للحملات إلى حدود لحظة إعلان النتائج، مما اضطرهم للاعتماد كلياً على الإمكانيات الذاتية والاقتراض والمساهمات الشخصية، معترفين بالدور الحاسب لشبكات التواصل الاجتماعي في إبراز خطاب المرشح والدفع به إلى الواجهة دون الحاجة للميزانيات الضخمة التي تحرك عادة آكلي لحوم السياسة.

الفارق بين الوعد والنتيجة

تتجسد المفارقة الكبرى في الشأن العمومي المغربي حين نقارن بين غزارة الوعود الحكومية بتقليص الفوارق المجالية والجهوية، وبين القسوة الميدانية للواقع الذي يعيشه تلاميذ وسكان المناطق الجبلية، حيث تتحول المسافة إلى المدرسة لرحلة عذاب يومية مع الثلوج، وتغدو المستوصفات المحلية هياكل فارغة بلا أطر ولا تجهيزات. الفارق شاسع بين خطابات التنمية المستدامة واستراتيجيات فك العزلة الورقية، وبين واقع اضطرار السكان لاستعمال البغال لنقل المرضى والحوامل نحو المراكز الصحية العجزية في ظل غياب المسالك الطرقية الصالحة.

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
تقليص الفوارق المجالية وفك العزلة عن العالم القرويالقطاعات الحكومية المعنية بالتجهيز والتنمية الترابيةطرق مقطوعة بالثلوج، وعزلة تامة، واعتماد على البغال للإسعاففجوة هيكلية؛ غياب الاستباقية وتحول برامج فك العزلة إلى مشاريع موسمية بطيئة
تعميم التعليم الجيد ومحاربة الهدر المدرسي بالعالم القرويوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضةداخليات تفتقر للأغطية والتجهيزات، مسافات شاقة، وتلاميذ يعانون الإغماء برداًضعف جودة الخدمات الاجتماعية الموجهة لدعم تمدرس أبناء الجبال

الأثر على المجتمع

إن استمرار هذا الخلل البنيوي في تدبير المرافق الأساسية لا يترك سوى ندوب غائرة على الجسد المجتمعي، فتداعيات غياب البنيات التحتية الطرقية والخدمات الصحية والتعليمية لا تقتصر على أرقام جافة في تقارير المندوبيات، بل تمتد لتنال مباشرة من كرامة المواطن واستقرار الأسر. حين يجد التلميذ الجبلي نفسه مجبراً على مقارعة الصقيع لمسافات طويلة، أو حين يواجه المريض خطراً حقيقياً جراء تعذر وصول سيارة الإسعاف إلى قريته، فإن ذلك يترجم في العمق إلى شعور ثقيل بالغبن والتهميش، ويغذي موجات الهجرة الهادئة نحو أحزمة الصفيح في المدن الكبرى، مفرغاً البوادي والمناطق الجبلية من طاقات بشرية كانت كفيلة بتحقيق التنمية الترابية المنشودة.

ولعل هذا الضغط اليومي المستمر هو ما خلق بيئة خصبة لبروز أصوات جديدة من رحم المعاناة نفسها، أصوات لم تعد تكتفي بلعب دور المتفرج الصامت، بل تحولت إلى فاعلين رقميين يوثقون بالصوت والصورة عري الواقع، مما يعيد تشكيل خارطة الاحتجاج والتعبير المدني بعيداً عن الوصايات الحزبية التقليدية التي أثبتت عجزها عن استيعاب نبض الشارع الحقيقي.

صوت الطرف الآخر

في مقابل هذا النقد الموجه لواقع التهميش، تنطلق الجهات الرسمية والقطاعات الحكومية المعنية من مقاربة تبريرية تؤكد حجم الإكراهات المالية والمجالية التي تعيق التدخل السريع في كل نقطة جبلية وعرة. وتدفع هذه المؤسسات بأن برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية رصدت لها اعتمادات مالية ضخمة وغير مسبوقة على الصعيد الوطني والجهوي، مبرزة أن صعبة التضاريس الجبلية وتناثر الدواوير الشاسعة تفرضان مسارات تدريجية تأخذ وقتاً أطول لتغطية كافة المداشر، خصوصاً في ظل التقلبات المناخية القاسية التي تتطلب سنوياً تجنيد إمكانيات استثنائية لفتح الطرق وتأمين التزوين.

كما تشير الدوائر المسؤولة إلى أن المجهودات المبذولة في مجالات الطرق القروية والكهربة ودعم التمدرس تسير وفق أجندات مبرمجة، داعية إلى عدم بخس المكتسبات المحققة على مستوى فك العزلة عن آلاف الدواوير، مع الإقرار في نفس الوقت بوجود خصاص تراكمي عبر عقود، تتطلب معالجته النهائية تضافر جهود جميع المتدخلين من مجالس منتخبة وسلطات محلية وفعاليات مدنية، بعيداً عن منطق جلد الذات أو تضخيم الإكراهات المحلية.

أين تكمن المسؤولية؟

حين نضع أداء السياسيين وأصحاب القرار تحت مجهر المساءلة، يتضح جلياً أن الخلل لا يكمن في ندرة الموارد المالية بمطلقها، بل في رداءة الحكامة وتوزيع الأولويات وغياب التقائية السياسات العمومية. فالمؤسسات المنتخبة، المركزية منها والمحلية، ما زالت رهينة لتدبير موسمي ومناسباتي يفتقر إلى الرؤية الاستباقية، حيث تُترك المناطق الهشة تواجه مصيرها القاسي حتى تندلع الاحتجاجات أو تُنقل الفضائح عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكأن الإدارة لا تتحرك إلا بمنطق رد الفعل وتحت ضغط الصورة الرقمية.

هذا الفراغ المؤسساتي والقصور في الإنصات القبلي هو ما فتح الباب أمام صعود ظواهر سياسية جديدة من خارج الصناديق الحزبية الكلاسيكية. فحين تفشل النخب التقليدية في تمثيل هموم مواطنيها وتكتفي بلعب أدوار ديكوريه موسمية، فإن المجتمع لا يسقط في الفراغ بل يبحث عن بدائل تعيد الاعتبار للعمل السياسي النبيل القائم على القرب والملامسة الحية للوجع اليومي، وهو ما يضع الأحزاب والمؤسسات أمام امتحان عسير لإعادة بناء مصداقيتها المفقودة.

إن تصحيح هذا الوضع المختل يقتضي بالضرورة الانتقال من منطق الإحسان التنموي والتدبير الاستعجالي إلى استراتيجيات ترابية مندمجة ومستدامة، تعيد الاعتبار للمناطق الجبلية كرافعة أساسية للتنمية لا عبئاً ميزانياتياً. ويتم ذلك عبر إرساء آليات رقابة صارمة على صرف الميزانيات المخصصة لفك العزلة، وضمان جودة البنيات التحتية الأساسية من طرق ومدارس ومستوصفات دون غش أو تماطل، مع إجبار المسؤولين الترابيين على النزول المستمر إلى الميدان للإنصات المباشر لنبض الساكنة بدل الاكتفاء بتقارير المكاتب المكيفة.

إلى جانب ذلك، بات لزاماً على المشهد الحزبي والسياسي الوطني استيعاب الرسالة العميقة التي حملتها صناديق الاقتراع في ميدلت وغيرها، عبر الانفتاح الحقيقي على الطاقات الشبابية والكفاءات الميدانية التي تثبت يوماً بعد يوم قدرتها على التواصل الفعال وإعادة الروح للعمل السياسي، شريطة توفير بيئة تنافسية عادلة تقطع مع ممارسات المال السياسوي والاستقطاب المناسباتي، وتجعل خدمة المواطن البسيط المعيار الأوحد للبقاء والنجاح.

إن قصة صعود شاب من قرى الجبال إلى قبة البرلمان عبر بوابة الهاتف والكلمة الصادقة، ليست سوى تنبيه صارخ بأن زمن الوصاية السياسية والوعود الخشبية قد ولى إلى غير رجعة، وأن المواطن، أينما كان، بات يمتلك أدواته الخاصة لفرض احترامه وانتزاع حقه في التمثيل والمحاسبة السلمية المؤسساتية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم التقارير الورقية ولا بارقام النمو الصماء، بل بقدرة القرار العمومي على حماية تلميذ يواجه الصقيع في طريق مدرسة نائية، وبضمان كرامة مريض يصل سالماً إلى مستشفى يقدم له العلاج اللائق.

وختاماً، فإن الرهان اليوم ليس موجهاً ضد أحد، بل هو دعوة صريحة ومخلصة لأصحاب القرار والطبقة السياسية برمتها لمراجعة الأوراق، والإنصات العميق لصرخة الجبال والمداשר المنسية، قبل أن تتحول كل هفوة تسييرية إلى زلزال انتخابي جديد يعيد رسم الخريطة السياسية للبلاد بقواعد لا ترحم المتقاعسين عن خدمة الصالح العام.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق