في الدول التي تحترم نفسها، لا تُقاس المسؤولية بالكلمات، بل باللحظات الحرجة. حين تقع الكارثة، تُلغى العطل، تُفتح غرف الأزمات، ويظهر المسؤول أمام شعبه ليشرح، ليبرر، وربما ليعتذر. هناك، المنصب ليس امتيازًا، بل عبء ثقيل يُختبر في أصعب الظروف.
لكن في المغرب، يبدو أن المعادلة مختلفة تمامًا.
في الوقت الذي كان فيه عشرات الآلاف من الشباب يخاطرون بحياتهم في محاولة عبور جماعية نحو سبتة، في مشهد صادم هزّ الضمير الإنساني وخلّف ضحايا، لم يكن السؤال: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وكيف نمنع تكرار الكارثة؟
بل كان الجواب الصادم: رئيس الحكومة في عطلة.
كارثة في البحر… وصمت على اليابسة
ما جرى لم يكن مجرد “محاولة هجرة”، بل لحظة انهيار جماعي للأمل. آلاف الشباب الذين قرروا المجازفة بأرواحهم لا يفعلون ذلك بدافع المغامرة، بل نتيجة انسداد الأفق وفقدان الثقة في المستقبل.
وحين تتحول هذه المحاولات إلى مأساة يسقط فيها ضحايا، يصبح الحد الأدنى من المسؤولية هو الحضور، التفاعل، اتخاذ قرارات عاجلة، وفتح تحقيقات شفافة.
لكن بدل ذلك، وجد المغاربة أنفسهم أمام صورة مختلفة: رئيس حكومة يقضي عطلته في جزيرة مايوركا الإسبانية، وكأن ما يجري في بلده لا يعنيه بشكل مباشر.
صورة تختصر فجوة عميقة بين السلطة والواقع، بين من يهرب من الوطن بحثًا عن فرصة، ومن يدير الوطن من على شاطئ أجنبي.
مفارقة موجعة
المفارقة هنا ليست سياسية فقط، بل إنسانية أيضًا.
إسبانيا التي يحلم بها آلاف الشباب المغاربة كملاذ أخير، أصبحت في الوقت نفسه وجهة استجمام لبعض المسؤولين.
لكن الفرق ليس في الوجهة، بل في الوسيلة:
هناك من يحاول الوصول سباحةً، متحديًا الموت،
وهناك من يصل بطائرة خاصة أو بجواز دبلوماسي، محاطًا بكل الامتيازات التي يوفرها المنصب.
في مشهد واحد، تختصر المأساة المغربية:
شعب يغامر بحياته ليهرب،
ونخبة تسافر لتستجم.
غياب المساءلة
الأخطر من العطلة نفسها، هو ما تعنيه.
أن تغيب المساءلة، وأن يتحول المنصب إلى مساحة راحة بدل أن يكون موقع مسؤولية، فهذا مؤشر على خلل أعمق.
في الدول التي تحترم مواطنيها، يكفي خطأ بسيط ليُفتح النقاش العام، وتتحرك المؤسسات، وتُطرح الأسئلة الصعبة.
أما هنا، فالكارثة تمر، والضحايا يُنسون، والنقاش يتحول سريعًا إلى جدل عابر في مواقع التواصل.
ما الذي يعنيه هذا؟
أن يشعر المواطن بأن حياته لا تحظى بالأولوية، وأن صوته لا يصل إلا إذا تحول إلى صرخة في البحر، فهذا أخطر من أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية.
لأن الثقة، حين تنهار، لا تُبنى بالخطابات، بل بالأفعال.
وما حدث بعد مأساة سبتة يطرح سؤالًا بسيطًا لكنه قاسٍ:
هل ما زالت الدولة قادرة على إقناع شبابها بالبقاء، وهي تعطي هذا النموذج في إدارة الأزمات؟
الخلاصة
ليست المشكلة في عطلة، بل في توقيتها، في رمزيتها، وفي الرسالة التي تحملها.
فحين يغرق البعض في البحر، لا يحق للبعض الآخر أن يغرق في اللامبالاة.
المغرب اليوم لا يحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى مسؤولين يدركون أن المنصب ليس جواز سفر نحو الراحة، بل التزام دائم تجاه شعب يبحث، يومًا بعد يوم، عن سبب واحد فقط… كي لا يرحل.



















