في الوقت الذي يخوض فيه حزب النهج الديمقراطي العمالي حملته الداعية إلى مقاطعة انتخابات 23 شتنبر 2026، وجد نفسه محاصرًا أمنيًا في الحسيمة نفسها، حيث مُنع مناضلوه من توزيع مناشير المقاطعة وصودرت موادهم الدعائية. المفارقة هنا لا تتعلق بمشروعية موقف المقاطعة من الناحية السياسية، بل بما تكشفه هذه الواقعة عن حدود المسافة المسموح بها بين حق التعبير المكفول دستوريًا وممارسته الفعلية على الأرض.
مقاطعة تحمل عنوانين: صندوق الاقتراع وملف المعتقلين
لم تكن دعوة النهج الديمقراطي للمقاطعة معزولة عن ملف حراك الريف؛ فقد ربط الحزب في بياناته الرسمية بين رفضه للاستحقاقات التشريعية وبين مطلبه الصريح بـ”إطلاق سراح معتقلي حراك الريف وجيل زد، وكافة المعتقلين السياسيين، وإسقاط المتابعات عنهم”. بهذا المعنى، لم تكن المقاطعة عند الحزب موقفًا احتفاليًا موسميًا، بل استمرارًا لخط سياسي يضع قضية الحريات والمعتقلين في صلب خطابه، لا على أطرافه.
وقد جاء هذا الموقف في سياق إقليمي مشحون؛ فمعتقلو حراك الريف في سجن طنجة 2 أعلنوا بأنفسهم، عبر بيان مباشر، “رفضهم القاطع” لما وصفوه بمحاولة تسويق الاستحقاقات الانتخابية كحدث ديمقراطي حقيقي، معتبرين أنها لا تعدو أن تكون “إعادة إنتاج لمشهد سياسي” لا يعكس مطالبهم. هذا التقاطع بين موقف الحزب وموقف المعتقلين أنفسهم يمنح خط المقاطعة في هذه الدائرة بالتحديد بعدًا رمزيًا يتجاوز الحساب الحزبي الضيق.
حين يقابل الخطاب بالحصار لا بالحجة
لكن اللافت أن الرد على هذا الموقف لم يأتِ بلغة الجدل السياسي أو الحجة المضادة، بل بلغة الحصار الأمني. فبينما كان مناضلو الحزب يحاولون توزيع نداء المقاطعة في الحسيمة، طوّقت الأجهزة الأمنية مقر الحزب وحالت دون استكمال الحملة، في وقت سُجلت فيه توقيفات مماثلة لمناضلين آخرين في مدن مغربية متفرقة بسبب هذه الحملة تحديدًا، من بني ملال إلى القنيطرة وسلا.
هذا التضييق يفتح سؤالًا مشروعًا لا يقل أهمية عن السؤال حول جدوى المقاطعة نفسها: إذا كانت المقاطعة خيارًا سياسيًا مكفولًا دستوريًا ضمن التعددية الفكرية التي تقوم عليها المنافسة الحزبية، فما الذي يبرر التعامل مع الدعوة إليها بمنطق المنع والتوقيف، بدل تركها تُختبر في ساحة الرأي العام وصناديق الاقتراع نفسها؟ فالمفارقة الأعمق ليست في أن حزبًا يطالب بالإفراج عن المعتقلين، بل في أن الحزب الذي يحمل هذا المطلب يجد نفسه أحيانًا في موقع من يُقيَّد صوته أثناء الدعوة إليه.
نقد مشروع لمنطق المقاطعة ذاته
مع ذلك، يظل التضييق الأمني على الحزب لا يعني بالضرورة أن خيار المقاطعة، كأداة سياسية، محصّن من النقد. فالمقاطعة تطرح على نفسها سؤالًا لم تُقدّم له إجابات كافية حتى الآن: هل الانسحاب من العملية الانتخابية يُضعف بالفعل شرعية المؤسسات المنتخبة كما يفترض دعاتها، أم أنه في المحصلة يترك المجال مفتوحًا لقوى أخرى لتُشكّل وحدها ملامح البرلمان والمجالس المحلية، بينما يبقى صوت المقاطعين خارج أي تأثير مباشر على القرار العمومي؟
فالفرق بين “التصويت العقابي” أو “التصويت الاحتجاجي” من داخل صناديق الاقتراع، وبين المقاطعة الكاملة، هو فرق بين من يختار المشاركة في تحديد موازين القوى داخل المؤسسة، ومن يختار الوقوف خارجها احتجاجًا على شروطها. وكلا الخيارين مشروع، لكن كل واحد منهما يحمل كلفة سياسية مختلفة يجب أن يعيها من يتبناه: فمن يقاطع يخاطر بأن يجد نفسه، بعد الاستحقاق، بلا أدوات مؤسساتية للدفاع عن قضاياه، بما فيها قضية المعتقلين التي يرفعها شعارًا.
بين حق المقاطعة وحق الشارع في سماعها
في نهاية المطاف، يبقى النقاش حول جدوى المقاطعة نقاشًا سياسيًا مفتوحًا يحتمل الاختلاف، ومن الطبيعي أن يُساءل النهج الديمقراطي، كما يُساءل أي فاعل سياسي آخر، حول مدى فعالية هذا الخيار في تحقيق أهدافه المعلنة. لكن هذا النقاش يجب أن يُخاض بالحجة والرأي المضاد، لا بمصادرة حق الحزب في تبليغ موقفه للناخبين. فحين يُمنع مناضلون من توزيع منشور، أو يُوقَّفون عند حاجز أمني بسبب موقف سياسي معلن وسلمي، يتحول النقاش من “هل المقاطعة خيار صائب؟” إلى سؤال أثقل: “هل يُسمح أصلاً بأن يُطرح هذا السؤال على الملأ؟”
وهذا، في الأخير، هو التحدي الذي يواجه المشهد السياسي المغربي ككل: لا يكفي أن تكون المقاطعة أو المشاركة خيارين مكفولين على الورق؛ بل يجب أن تُترك المساحة الفعلية لكل طرف ليقول كلمته أمام المواطن، تاركًا للناخب وحده، لا للحاجز الأمني، أن يقرر أي الخطابين يستحق الاستماع إليه.



















