استعادة الثقة في دهاليز السياسة: هل ينجح التحالف النسائي بالحسيمة في قلب موازين التمكين والرقابة؟

سعاد شيخي تعود للواجهة بالحسيمة: رهان التمكين النسائي في انتخابات 2026

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
استعادة الثقة في دهاليز السياسة: هل ينجح التحالف النسائي بالحسيمة في قلب موازين التمكين والرقابة؟
بقلم: رشيد البراني

في إقليم يختزل بذاكرته الجغرافية والسياسية الكثير من تطلعات “الريف الكبير”، تكتسي الانتخابات التشريعية لعام 2026 في الحسيمة أبعاداً تتجاوز الصراع الحزبي التقليدي، لتلامس جوهر الحاجة الملحة للمواطن في البحث عن صوت يترجم آلامه إلى قرارات تحت قبة البرلمان. إن المواطن البسيط، الذي أنهكته وعود الانتخابات السابقة وتأثر بضعف وتيرة التنمية المحلية، لم يعد يبحث عن شعارات فضفاضة، بل بات يترقب بفارغ الصبر بروز قيادات قادرة على الجهر بالحقيقة وسط ضجيج المؤسسات، بعيداً عن منطق “الولاءات الانتخابية” التي أفرغت العمل السياسي من جوهره التنموي والرقابي.

إن التحول الذي يشهده المشهد الانتخابي بالحسيمة مع صعود تحالف نسائي تقوده سعاد شيخي دعماً لحنان المعروفي ومجدولين الروزي، يمثل لحظة اختبار حقيقية لمدى قدرة الأحزاب على تجديد دماء النخب السياسية. فالمواطن الذي يتابع هذا الاصطفاف لا يرى فيه مجرد حملة دعائية، بل يقرأ فيه محاولة لاستعادة رصيد نضالي عُرف عنه الشراسة في الترافع عن قضايا الصحة والبنية التحتية، وهي قضايا تظل حيوية في يوميات سكان المنطقة، مما يجعل هذا التحرك تحت المجهر الشعبي الذي ينتظر تحويل هذه المبادرات إلى أثر ملموس يرفع من جودة التمثيل السياسي.

يتجسد الملف الراهن في إعادة ترتيب البيت الداخلي لحزب العدالة والتنمية بإقليم الحسيمة، حيث قررت البرلمانية السابقة سعاد شيخي، التي تركت بصمة متميزة خلال الولاية (2011-2016)، الانخراط الميداني كداعم استراتيجي لوكيلتي اللائحتين، حنان المعروفي والمجدولين الروزي، استعداداً لاستحقاقات 23 سبتمبر 2026. هذا الترتيب ليس مجرد خطوة انتخابية عابرة، بل هو رسالة سياسية مشفرة تهدف إلى دمج الخبرة الترافعية التاريخية لشيخي مع الطاقات الشابة لضمان حضور سياسي نوعي يعيد الاعتبار للتواجد الحزبي في منطقة تتسم بحساسية سياسية واجتماعية بالغة.

يأتي هذا الإسناد في سياق يطالب فيه ناخبو الحسيمة بنزاهة العملية الانتخابية وجودة التمثيل، حيث قامت شيخي بتوظيف منصاتها الرقمية والميدانية لتعزيز حظوظ المعروفي، وهي شخصية تنتمي لنسيج المنطقة وتطرح خطاباً يرتكز على المصالحات المحلية. إن هذا الاصطفاف يعيد صياغة المشهد التنافسي بإقليم كان دوماً مسرحاً لتدافع سياسي حاد، مما يجعل التحالف النسائي محوراً لاستقطاب الناخبين الذين يراهنون على استمرارية “صوت الريف الجريء” في معارضة السياسات الممركزة التي غالباً ما تتجاهل خصوصيات المنطقة.

يظل الفارق شاسعاً في الذاكرة الجمعية بالريف بين الخطابات الانتخابية التي ترفع شعارات التنمية الشاملة، وبين الواقع المؤسساتي الذي يصطدم ببيروقراطية الإدارة وغياب التنسيق، حيث يبرز الجدول التالي التباين بين الوعود والممارسة:

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
تجويد الخدمات الصحيةوزارة الصحةخصاص مزمن في المعداتفشل في تحقيق الأمن الصحي
الاستجابة لمتطلبات التنميةالمجالس المنتخبةتعثر في الصفقات العموميةضعف المردودية التنموية
تمثيلية سياسية قويةالأحزاب السياسيةغياب المرافعة الفعالةفجوة بين القاعدة والقمة

إن الفجوة بين هذه الوعود والنتائج تعكس خللاً بنيوياً في التزام المؤسسات بتنفيذ تعهداتها، حيث تُظهر ممارسات الترافع السابقة لسعاد شيخي أن المشكلة لا تكمن في غياب المطالب بقدر ما تكمن في ضعف الإرادة السياسية لاستجابة الوزارات المعنية، مما يؤكد أن استمرار الأصوات “المشاكسة” تحت قبة البرلمان ليس ترفاً، بل ضرورة لتقليص هذه الفجوة التي تمس مباشرة جيب المواطن وكرامته.

إن انعكاسات الأداء السياسي لا تتوقف عند حدود البرلمان، بل تترجم مباشرة إلى معاناة يومية للأسر الريفية، بدءاً من نقص الأطر الطبية بالمركز الجهوي للأنكولوجيا، وصولاً إلى سياسات التدبير المالي للمجالس الجماعية التي تفتقر للشفافية. عندما تغيب الرقابة البرلمانية الجادة، يجد المواطن نفسه محاصراً بين خدمات عمومية متردية وبين استثمارات لا تراعي الأولويات المحلية، وهو ما يزيد من حدة التوتر الاجتماعي ويضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة التي يفترض بها أن تكون الحصن الدفاعي لمطالب الساكنة.

من هنا، يأتي رهان التحالف النسائي بالحسيمة كاستجابة لنبض الشارع الذي يطمح إلى رؤية “كفاءات ميدانية” قادرة على مواجهة الاختلالات بشجاعة، بعيداً عن الحسابات الضيقة. إن دعم شيخي للمعروفي ليس مجرد إسناد تنظيمي، بل هو محاولة لضمان استمرار صوت يدافع عن حقوق المنطقة في التنمية العادلة وفي صون كرامتها الجغرافية، وهو ما يلمسه المواطن كبارقة أمل في وسط مشهد انتخابي يغلب عليه في الغالب منطق “الاستهلاك الظرفي” للمطالب الاجتماعية.

في المقابل، تؤكد المؤسسات والأحزاب المعنية بالعملية السياسية أنها تتبنى مقاربات تنموية شاملة تستند إلى المخططات الوطنية، مشيرة إلى أن التحديات التي تعيشها الحسيمة هي نتيجة تداخل عوامل اقتصادية عالمية وإكراهات مالية تفرض ترشيد النفقات. ويرى المسؤولون أن السياسة البرلمانية ليست مجرد صراخ تحت القبة، بل هي عمل تراكمي يتطلب شراكات مؤسساتية، مؤكدين أن البرامج الانتخابية لعام 2026 تتضمن التزامات واضحة بفك العزلة وتجويد الخدمات، شريطة الانخراط الإيجابي في مسار التدبير التشاركي.

وتدفع هذه الجهات بأنها تعمل جاهدة على تجاوز موروث “الاحتقان” من خلال فتح قنوات الحوار والمصالحة المحلية، معتبرة أن الانتقادات الموجهة للأداء السابق هي وجهة نظر سياسية مشروعة، لكنها لا تعكس دائماً الصعوبات التقنية والميدانية التي تواجه تنزيل المشاريع الكبرى على أرض الواقع، مؤكدة على ضرورة التركيز على المستقبل بدلاً من استحضار معارك الماضي الانتخابي أو الترافعي.

تكمن المسؤولية في جوهرها داخل “فجوة الرقابة”، حيث تتراكم القرارات الحكومية دون أن تجد لها متابعة ميدانية من طرف ممثلي الأمة، الذين غالباً ما ينخرطون في منطق التبرير بدلاً من المساءلة. إن الخلل المؤسساتي بالحسيمة يظهر جلياً في ضعف التنسيق بين الجماعات الترابية والمصالح الخارجية للوزارات، مما يحول الإقليم إلى حقل تجارب لبرامج تنموية لا تحظى بالتتبع اللازم، وهذا الفراغ الرقابي هو الذي يفرز الاحتقان ويجعل من مطالب الساكنة صرخة في وادٍ لا يتردد صداه إلا في مواسم الانتخابات.

كما أن غياب آليات محاسبة صارمة للمسؤولين عن الصفقات العمومية المتعثرة يعزز من شعور المواطن بالاغتراب تجاه التمثيل السياسي. إن سعاد شيخي، عبر تاريخها في معارضة ميزانية بلدية الحسيمة، وضعت الإصبع على الجرح: المشكلة هي غياب الشفافية في التدبير وتراجع دور “الممثل البرلماني” من مدافع عن الحقوق إلى متفرج على عجز الإدارة، مما يفرض على أي تحالف انتخابي مستقبلي أن يجعل من “الرقابة الصارمة” أولوية قصوى قبل أي برنامج تنموي آخر.

يتطلب إصلاح المشهد السياسي بالحسيمة الانتقال من “سياسة الوعود” إلى “سياسة الحصيلة”، حيث يجب على المرشحين الالتزام بوضع تقارير دورية حول أدائهم البرلماني أمام الناخبين، بدل الاكتفاء بالتواصل في فترة الحملة. إن التوصية الأولى هي إرساء ميثاق شرف انتخابي يركز على أولويات المنطقة الصحية والتعليمية، مع ضمان تفعيل “الأسئلة الآنية” والاستعجالية التي أثبتت فعاليتها في تحريك ملفات عالقة، كملف مرضى السرطان بمركز الأنكولوجيا الذي لا يحتمل الانتظار أو المساومة السياسية.

إلى جانب ذلك، يجب تعزيز الأدوار الرقابية للنخب النسائية الصاعدة من خلال تمكينها من أدوات قانونية وتقنية لمتابعة الصفقات العمومية، وضمان استقلالية القرار السياسي عن الضغوط الإدارية المحلية. إن التغيير الحقيقي يبدأ حينما تصبح المؤسسة التشريعية بالمنطقة صوتاً مسموعاً في دواليب القرار بالرباط، لا صدىً للقرارات المركزية، وهذا لن يتحقق إلا عبر إفراز نخب تمتاز بالشجاعة الأدبية والقدرة على “المواجهة المسطرية” التي ميزت مسار شيخي، مع دمجها بآليات حديثة للتواصل الرقمي المباشر مع المواطنين.

إن مشهد 2026 بالحسيمة يعيد طرح السؤال الوجودي حول جدوى العمل السياسي في ظل التحديات المتراكمة؛ فالمواطن الذي يتابع هذا التحالف النسائي هو نفسه الذي يضع يده على قلبه خوفاً من خيبات أمل جديدة. إن المحاسبة السلمية عبر صناديق الاقتراع، مدعومة بمراقبة مدنية يقظة، هي السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للممارسة السياسية، حيث لا مكان لمن لا يملك رصيداً من الأفعال قبل الأقوال، ولا قيمة لتمثيلية لا تجعل من كرامة الريفي في جوهر اهتماماتها.

إن المطلوب اليوم ليس فقط نجاح لوائح أو سقوط أخرى، بل هو النهوض بالعمل المؤسساتي ليصبح أداة حقيقية للتغيير، قادرة على تحويل “صرخات الترافع” إلى سياسات عمومية تجلب الاستقرار والتنمية. ستظل أعين المراقبين والمواطنين معلقة بهذا التحالف، ليس من باب الانحياز الحزبي، بل من باب الحرص على استمرار وجود “أصوات حرة” ترفض الانخراط في رتابة الصمت، فالحسيمة تستحق تمثيلاً يليق بتاريخها وبطموح أجيالها التي لا ترضى بأقل من النزاهة والعدالة في التدبير.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق