اكتشاف أثري يهز تاريخ المغرب: أقدم تحصينات دفاعية في شمال إفريقيا تظهر للنور في وادي بهت

ما وراء ضفاف وادي بهت: حينما يعيد اللقيم الأثري صياغة تاريخ شمال إفريقيا العميق

حسيمة سيتيمنذ 7 دقائقآخر تحديث :
اكتشاف أثري يهز تاريخ المغرب: أقدم تحصينات دفاعية في شمال إفريقيا تظهر للنور في وادي بهت
بقلم: الأستاذ عمر أزحاف

في قلب إقليم الخميسات، حيث تعانق التضاريس المتموجة مجاري المياه الدائمة، ترقد أطلال موقع وادي بهت كشاهد صامت على تحولات حضارية كبرى في تاريخ المغرب القديم. لطالما اعتبر هذا الموقع، الذي يمتد على مساحة واسعة من التلال، بؤرة غامضة أثارت فضول الباحثين منذ ثلاثينيات القرن الماضي، حين رصد عالم الآثار الفرنسي أرمان رولمان وجود تحصينات حجرية على أطرافه الجنوبية، دون أن يتمكن من فك شفرتها الزمنية أو طبيعتها الوظيفية.

اليوم، وبفضل المجهودات المشتركة بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالمغرب، وجامعة كامبريدج البريطانية، والمجلس الوطني للبحوث الإيطالي، نكشف عن فصل جديد ومثير من تاريخ المغرب العريق. لقد أثبتت حملات التنقيب الأخيرة أننا أمام أعظم وأقدم المنشآت الدفاعية ذات النطاق الواسع في القارة الإفريقية خارج نطاق وادي النيل، وهي اكتشافات لا تكتفي بملء فراغات تاريخية فحسب، بل تعيد رسم خرائط التفاعل الحضاري بين ضفتي المتوسط خلال العصور الغابرة.

1. السياق التاريخي والجيوسياسي

لم يكن موقع وادي بهت، الذي يعود تاريخ استيطانه إلى العصر النيوليتي الأخير، مجرد تجمع سكاني عابر، بل كان مركزاً حيوياً يتمتع بروابط وثيقة مع مجتمعات العصر البرونزي في شبه الجزيرة الأيبيرية. لقد أظهرت المعطيات الأثرية أن هذه المجتمعات لم تكن معزولة في جغرافيا ريفية ضيقة، بل كانت منخرطة في تيار حضاري متدفق يربط شمال إفريقيا بالمتوسط، حيث تشير بقايا الحبوب من قمح وشعير، إلى جانب صناعة الفخار المتقن والأدوات الحجرية، إلى مجتمع منظم يمارس الزراعة والتدجين بمستويات متطورة كانت تضاهي، بل وتنافس في أحيان كثيرة، ما كان سائداً في الضفة الشمالية للبحر المتوسط.

وجاءت نتائج التنقيب لتؤكد أن وادي بهت كان مسرحاً لعمليات بناء جماعية منظمة، مما يعكس تحولاً جذرياً في الهياكل الاجتماعية للساكنة المحلية. فمع الانتقال من العصر النيوليتي إلى بدايات الألفية الثانية قبل الميلاد، بدأت الحاجة إلى تأمين المجال الحيوي تفرض استراتيجيات دفاعية جديدة، وهو ما تجلى في تحصين المرتفعات الجنوبية للموقع، وهي خطوة استراتيجية لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت ترجمة لتراكم الخبرات التقنية والتنظيمية لمجتمع استوعب أهمية التحصين في حماية مكتسباته الاقتصادية والاجتماعية.

2. التسلسل الزمني الدقيق

انقشعت غيوم الغموض عن الموقع عبر دراسة دقيقة لتتابع الطبقات الأثرية، حيث أثبتت تحليلات الكربون المشع أن هذا “المرتفع المحصن” لم يُبنَ دفعة واحدة، بل كان ثمرة تراكمات زمنية ممتدة. فبينما كانت التجمعات السكانية الأولى تتمركز في الجزء الشمالي المفتوح، أدى التطور الاجتماعي والضغوط الخارجية خلال الألفية الثانية قبل الميلاد إلى تحويل الثقل البشري نحو الحافة الجنوبية الوعرة، حيث تم حفر خنادق عميقة وإقامة أسوار ترابية ضخمة، لتليها لاحقاً تدعيمات حجرية مذهلة أُضيفت خلال العصر الوسيط بين القرن الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، مما يؤكد أن الموقع كان فضاءً استراتيجياً عاد إليه الإنسان مراراً على مدى خمسة آلاف عام.

الفترة الزمنيةالحدث الأثري البارز
الألفية الرابعة – الثالثة ق.متأسيس الموقع وتطور المجتمع الزراعي النيوليتي
بداية الألفية الثانية ق.مظهور أولى التحصينات الدفاعية الكبرى (خنادق وأسوار ترابية)
القرن 11 – 13 مإعادة تعزيز الموقع وبناء الأسوار الحجرية واستقرار تجمعات بشرية

3. الوقائع الجوهرية ومسار الأحداث

توالت الاكتشافات حين بدأت الفرق الدولية في فحص البنية الدفاعية التي اصطلح عليها بـ “الجدار ب1″، حيث كشفت الحفريات تحت طبقات الحجر الوسيط عن بقايا أقدم بكثير، تعود إلى أوائل الألفية الثانية قبل الميلاد. وقد أثارت هذه اللقى دهشة الباحثين، إذ لا توجد في سائر إفريقيا – باستثناء مصر القديمة – منشآت ترابية بهذا الحجم والتعقيد، وهو ما دفع الدكتور يوسف كبظ، مدير المشروع، للتأكيد على أن وادي بهت قد أسرّ أخيراً بأهم أسراره، مصرحاً بأن هذا الموقع لا يضاهيه أي موقع آخر في القارة من حيث الأهمية الاستراتيجية والمعمارية في تلك الحقبة الغابرة.

ولم يتوقف مسار الكشف عند حدود الأسوار، بل امتد ليشمل فضاءات للنشاط البشري كانت مغطاة بطبقات من النسيان. فعلى الضفة الشمالية، قادت بلاغات السكان المحليين عن وجود بقايا بشرية إلى اكتشاف مقبرة تعود للعصور الوسطى، تقع في مساحة فاصلة بين مناطق السكن القديمة، مما يقدم نظرة نادرة على حياة المجتمعات القروية إبان تلك الفترة. إن تراكم هذه الأدلة – من فخار، وأدوات حجرية، وهياكل دفاعية، وشواهد جنائزية – يضع وادي بهت في موقعه الحقيقي كحلقة وصل أساسية في تاريخ المتوسط، وكاشفاً عن مجتمع مغربي قديم اتسم بالقدرة العالية على التنظيم والمبادرة، وكان في قلب الأحداث التاريخية الكبرى التي صاغت معالم العصور القديمة.

4. بين الوثيقة الإسبانية والرواية الريفية (مقارنة نقدية وافية)

يقف الباحث أمام مفارقة معرفية حينما يوازن بين ما حملته السجلات الاستعمارية الإسبانية، التي طالما صبغت تاريخ المنطقة بصبغة التبعية أو العزلة، وبين ما ترويه الأرض اليوم في “وادي بهت”. فبينما كانت الكتابات التاريخية التقليدية، التي غذتها البعثات الفرنسية والإسبانية منذ بدايات القرن العشرين، تحاول حصر التاريخ المغربي القديم في أطر ضيقة لا تتجاوز تأثيرات الخارج، جاءت الاكتشافات الأخيرة لتنسف هذا الطرح تماماً. لقد حاولت الرواية الاستعمارية تاريخياً تهميش قدرة الإنسان المغربي القديم على التخطيط الاستراتيجي والهندسة الدفاعية المعقدة، مصورةً المواقع كخلوات بدائية، بينما يكشف الميدان اليوم أن ساكنة هذه المنطقة لم تكن مجرد مستهلكة للتقنيات، بل كانت فاعلاً أصيلاً في منظومة تبادل حضاري عابرة للقارات.

تتقاطع الرواية الريفية، التي يستحضرها الباحث بفكره وتأمله في عمق الأرض، مع المعطيات العلمية الجديدة في نقطة جوهرية؛ وهي أن الريف والمناطق المجاورة له لم تكن يوماً هوامش مهملة، بل قلب نابض للحركة المتوسطية. في المقابل، نجد أن الوثائق الأرشيفية التي خلفها “أرمان رولمان” وغيره، وإن كانت قد قدمت توصيفاً بصرياً أولياً للموقع، إلا أنها وقعت في فخ التنميط الطبقي، حيث تم تفسير التحصينات الصخرية كبقايا عارضة لا تحمل دلالة حضارية عميقة. أما اليوم، وبعد عقود من البحث المضني الذي قاده الأستاذ يوسف بوكبوط، تحولت تلك “العشوائيات الدفاعية” في نظر الأرشيف الاستعماري إلى “نظام هندسي دقيق” يعكس مجتمعاً منظماً يمتلك القدرة على التعبئة الجماعية، وهو ما يثبت أن الرواية العلمية الحديثة هي في جوهرها استرداد لكرامة التاريخ المحلي من ربقة التحليلات القاصرة.

5. جدول مقارنة الروايات المتعارضة

وجه المقارنةالرواية الاستعمارية التقليديةالنتائج العلمية الحديثة (مشروع وادي بهت)
طبيعة الموقعتجمع سكاني بدائي وعشوائيمركز حضري متطور ومنظم هندسياً
البعد الدفاعيأسوار غير محددة الوظيفة أو التاريخنظام دفاعي استراتيجي يعود لـ 4000 عام
العلاقة بالخارجعزلة تاريخية عن الضفة الأخرىانفتاح وتفاعل عميق مع ثقافات المتوسط
التنظيم الاجتماعيمجتمع قبلي مفتتمجتمع معقد يمارس العمل الجماعي المنظم

6. الشخصيات والفاعلون (بطاقات تعريفية دقيقة)

يبرز الأستاذ يوسف بوكبوط كقطب رحى في هذا العمل، ليس فقط لكونه مديراً للمشروع، بل لكونه حلقة الوصل بين ذاكرة الموقع التي عاينها منذ أطروحته في تسعينيات القرن الماضي، وبين التقنيات الحديثة التي استقدمها الفريق الدولي. إن ثباته على فرضية أهمية الموقع منذ أكثر من ثلاثة عقود جعل منه حارساً أميناً لتاريخ لم يبح بأسراره إلا بعد صبر طويل، موازراً بجهود الخبراء من جامعة كامبريدج ومجلس البحوث الوطني الإيطالي، الذين أضفوا صبغة التوثيق الدولي والمعايير العلمية الصارمة على ما كان يُنظر إليه سابقاً كاجتهادات فردية.

وإلى جانب الفريق الأكاديمي، يمثل أهالي منطقة “وادي بهت” فاعلاً غير مرئي ولكنه جوهري، فقد كانوا هم الحراس الحقيقيون للموقع، حيث ساهمت بلاغاتهم عن العثور على لقى أثرية وبقايا جنائزية في توجيه دفة الحفريات نحو اكتشافات مذهلة، كالمقبرة التي تعود للقرن الثالث عشر، مما يؤكد أن التاريخ ليس مجرد حفريات، بل هو التزام مشترك بين العالم والمجتمع المحلي لضمان استمرارية هذا الإرث الحي.

7. الأثر والنتائج

لقد أعاد هذا الاكتشاف صياغة الخارطة التاريخية للمغرب، فبعد أن كان الباحثون يضطرون للبحث عن جذور الحضارات المغربية في مراجع خارجية، أصبح “وادي بهت” مرجعاً قائماً بذاته يقارن بمواقع حضارة “إل أرغار” في إسبانيا. إن وجود نظام دفاعي بهذا الحجم قبل أربعة آلاف عام يعني بالضرورة وجود سلطة مركزية أو نظام سياسي قادر على تجنيد القوى العاملة، وهو ما يضع المنطقة على خارطة التحولات الحضارية الكبرى في العصر البرونزي المتوسطي. ولم يعد التاريخ هنا مجرد أحجار متراصة، بل أصبح شهادة على تطور زراعي واجتماعي سبق عصره، مما يفرض إعادة قراءة شاملة لكل الحفريات التي تمت في شمال إفريقيا خلال القرن الماضي.

8. ما الذي لا نعرفه بعد؟ (الثغرات المعرفية)

رغم الكشوفات المذهلة التي حملتها حملة عام 2023، لا يزال الغموض يكتنف العديد من الجوانب الحيوية، فالمقبرة التي تم اكتشافها في محيط الموقع تحتاج إلى دراسات أنثروبولوجية واسعة لفك شفرة التركيبة السكانية لمجتمعات العصور الوسطى في تلك المنطقة، ومعرفة مدى صلتها بالبنائين الأوائل الذين أقاموا التحصينات الأولى. كما أن الفجوة الزمنية بين مرحلة “النيوليتيك” و”العصور الوسطى” لا تزال تحتوي على ثغرات تحتاج إلى المزيد من المسوحات، حيث يطرح السؤال نفسه حول كيفية الحفاظ على استمرارية الاستيطان في موقع واحد لآلاف السنين دون انقطاع، وهل كان ذلك نابعاً من قدسية الموقع أم من ميزاته الجغرافية الاستراتيجية فقط؟

9. خاتمة تحليلية

إن “وادي بهت” ليس مجرد موقع أثري يضاف إلى لائحة التراث الوطني، بل هو مرآة تعكس عمق التجذر التاريخي للمجتمع المغربي في أرضه وفي محيطه المتوسطي. لقد أثبتت هذه الحفريات أن الريف ومنطقة الأطلس المتوسط كانا دائماً مراكز إشعاع حضاري، وأن القدرة على البناء، والدفاع، والتنظيم كانت سمات أصيلة لم تشكل يوماً استثناءً أو طارئاً. وبينما نغلق هذا الملف، ندرك أن كل حجر يُرفع من هذا الموقع يزيح طبقة من غبار النسيان، ليخبرنا أن تاريخنا ليس مكتوباً في وثائق الأرشيفات الأجنبية فحسب، بل هو ممتد تحت أقدامنا، ينتظر منا فقط أن نحسن الإنصات لندائه العتيق.

مصادر ووثائق اعتمد عليها التحقيق

استند هذا التحقيق إلى الدراسة العلمية المنشورة في دورية “Libyan Studies” التابعة لمطبعة جامعة كامبريدج تحت عنوان: “Expanding Oued Beht: Final Neolithic, Bronze Age, medieval and later discoveries from excavation and survey in 2023”، بالإضافة إلى تقارير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (INSAP)، والبيانات الصحفية الصادرة عن مشروع “وادي بهت” الأثري (OBAP). كما تم الاعتماد على المراجعات التاريخية الخاصة بأعمال البروفيسور يوسف بوكبوط المتعلقة بـ “آلات الحجر المصقول” وبدايات الاستيطان البشري في شمال المغرب، مع استحضار السياق التاريخي العام لعلاقات المغرب مع شبه الجزيرة الأيبيرية في عصور ما قبل التاريخ وما بعدها.

المصدر المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط (INSAP)
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق