ما وراء عتبات الذكاء الاصطناعي: حين تختزل السياسة في صالونات العائلات ونبض الانتخابات المعطل

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
ما وراء عتبات الذكاء الاصطناعي: حين تختزل السياسة في صالونات العائلات ونبض الانتخابات المعطل
بقلم: رشيد البراني

يقف المواطن المغربي، وفي إقليم الحسيمة على وجه الخصوص، أمام مفارقة لا تكاد تخطئها العين؛ فبينما ينتظر من “موسم” الانتخابات أن يكون لحظة لتقييم السياسات العامة وتحسين ظروف العيش اليومي، يجد نفسه محاصراً بضجيج خطابات لا تمت للواقع التنموي بصلة. إن هذا التباين بين طموح المواطن في التغيير وواقع الممارسة الحزبية التي تغرق في بحر من “الوديات” والولاءات العائلية، يفرغ المؤسسات المنتخبة من قيمتها الحقيقية، محولاً إياها إلى مجرد هياكل تجميلية لا تملك من أمر التدبير شيئاً يذكر.

إن ما يحدث في ساحة التنافس الانتخابي ليس مجرد سجالات عابرة، بل هو انعكاس لأزمة عميقة في مفهوم “المواطنة”. فبدلاً من أن يكون البرنامج الانتخابي هو البوصلة التي توجه صوت الناخب، يتم استبداله بـ”العاطفة العائلية” والاصطفاف القبلي، مما يكرس حالة من الجمود التنموي الذي يكتوي بناره المواطن العادي، الذي بات يرى في السياسة والسياسيين، بفعل هذه الممارسات، وجوهاً مكررة لمشاريع لم تكتمل ووعوداً تبخرت بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

تأتي التدوينة الأخيرة التي نشرتها لبنى أمغار، القيادية السابقة في حزب الأصالة والمعاصرة، لتشكل نموذجاً كاشفاً لهذه الحالة؛ إذ لم تكتفِ بتسويق مرشح بعينه، بل صاغت مرافعة سوسيولوجية تحاول من خلالها “تطبيع” الفشل السياسي في الريف باعتباره قدراً لا مفر منه. التدوينة، التي حاولت الجمع بين إشادة عائلية وتبرير للعملية الانتخابية، استدعت قاموساً يعتمد على “المودة والاحترام” للالتفاف على التباينات البرامجية، معتبرة أن التنافس هو مجرد “محطة عابرة”، وهو وصف يختزل جوهر العملية الديمقراطية في مجرد علاقات اجتماعية.

تطور الأمر إلى ما يشبه “الحيرة الرقمية” حين حاولت الكاتبة التنصل من هندسة “الصورة المركبة” للمرشح عبد الحق أمغار عبر إقحام الذكاء الاصطناعي في الجدل، معززة موقفها بقسم مغلظ لنفي تهمة التلاعب البصري الممنهج. هذا السلوك في التبرير، رغم بساطته الظاهرية، يشي بتوتر خفي لدى النخب السياسية تجاه الصورة التي يراها المواطن، ويسلط الضوء على تضارب صارخ بين ادعاء “العفوية” وبين الحرص الشديد على “هندسة الانطباعات” لخدمة أجندة انتخابية محددة.

لا يمكن للناخب إلا أن يقارن بين الخطاب القائم على “القرابة” وبين المسؤولية القانونية التي تقع على عاتق المنتخبين. إن التباعد بين ما يتم تصويره في منصات التواصل كـ “خير الأمور أوسطها” وبين تطلعات إقليم يحتاج إلى سياسات عمومية حقيقية لفك العزلة وتوفير فرص الشغل، يبرز فجوة تتسع يوماً بعد آخر بين النخبة والقاعدة.

الوعد المعلنالجهة المسؤولةالنتيجة على الأرضالفارق ومؤشر الأداء
تمثيل الإقليم والدفاع عن مصالحهالمرشح البرلمانيسيادة منطق “العائلية” والمجاملاتتراجع جودة الترافع المؤسساتي
التنافس البرامجي الديمقراطيالحزب السياسيشيطنة السياسة كـ “شر لابد منه”إضعاف الوعي السياسي للناخب

إن استمرار هذا النمط في الخطاب لا يمر مرور الكرام على النسيج الاجتماعي؛ فالأسر التي تعاني من غلاء المعيشة ومحدودية الخدمات العمومية ترى في تحويل العمل السياسي إلى “وليمة من المجاملات” استخفافاً بذكائها وكرامتها. هذا النهج يساهم بشكل مباشر في تعميق العزوف الانتخابي، حيث يفقد المواطن الثقة في جدوى التصويت، مما يؤدي إلى “تصحّر” في الساحة السياسية، تسيطر عليه الوجوه المألوفة التي تعيد إنتاج نفسها عبر آليات القربى لا عبر الإنجاز الميداني.

أما على مستوى التنمية المحلية، فإن غياب التنافس القائم على الكفاءة يعطل مشاريع التنمية ويحول المؤسسات المنتخبة من فضاءات للحلول إلى ساحات لتصفية الحسابات أو تقاسم “الامتيازات الرمزية”. وبذلك، يظل المواطن في إقليم الحسيمة يدفع ثمن ارتهان العمل السياسي للمصالح الضيقة، مما يعيق أي محاولة جادة للنهوض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي للجهة.

في المقابل، تدفع الأطراف المنخرطة في هذا النهج بكونها تعمل ضمن سياق محلي خاص يتسم بـ “خصوصية ثقافية واجتماعية”، حيث يُنظر إلى الروابط العائلية كدرع حماية أو وسيلة لضمان الاستقرار في ظل استقطابات حادة. وتعتبر هذه النخب أن تدويناتها وما تنشره من محتوى هو وسيلة للتواصل المباشر مع قواعدها الانتخابية التي قد لا تستهويها لغة الأرقام والبرامج بقدر ما يستهويها الحضور الإنساني والاجتماعي للمرشح.

ويشير المعنيون بهذا الملف إلى أنهم يسعون إلى تهدئة الخواطر وتجاوز التشنجات، مؤكدين أن إشارتهم إلى “الذكاء الاصطناعي” أو “المحطات العابرة” تأتي في سياق تقليل حدة التنافس لضمان السلم الاجتماعي، معتبرين أن لغة التدوينات ليست إلا جزءاً من ممارسة سياسية أوسع تحاول التكيف مع تعقيدات التواصل الرقمي وتحديات الصورة في عالم يغلب عليه السطح على العمق.

تكمن المسؤولية بالأساس في غياب “المؤسساتية” داخل التنظيمات الحزبية، فبدلاً من أن تكون هذه الأحزاب مختبرات لتكوين الكفاءات وتقييم أداء المنتخبين بناءً على حصيلة ملموسة، تحولت إلى مظلات لحماية المصالح الشخصية والعائلية. إن عجز الأحزاب عن فرض ميثاق أخلاقي يمنع خلط السياسي بالقبلي يضعها في قفص الاتهام بخصوص المساهمة في إفساد الحياة الديمقراطية.

كما يمتد الخلل إلى غياب أدوات الرقابة والمساءلة التي تفترض أن المنتخب خادم للمصلحة العامة، وليس وريثاً لشرعية انتخابية يستمدها من علاقات القرابة. هذا الفراغ في المحاسبة هو ما يمنح الجرأة لهذه النخب للاستهانة بالعقول، ظناً منهم أن “التبرير الرقمي” أو “القسم المغلظ” كافٍ لتجاوز استحقاقات المسؤولية التي يفرضها الدستور والقانون.

يتطلب إصلاح هذا المشهد إعادة الاعتبار للمؤسسات عبر فرض معايير دقيقة لاختيار المرشحين، تعتمد الكفاءة والقدرة على التدبير كمعيار وحيد، مع تجريم استغلال النفوذ العائلي والقبلي في الحملات الانتخابية. يجب على الأحزاب السياسية أن تخرج من “منطق الصالونات” إلى “ميدان العمل البرامجي”، وأن تخضع منتخبيها لتقييم دوري ومستقل يربط الاستمرار في المسؤولية بالإنجاز الفعلي على الأرض.

علاوة على ذلك، ينبغي تعزيز الوعي المدني للناخبين عبر حملات تحسيسية تتجاوز الشعارات الفضفاضة، لتشرح للناس كيف يمكنهم محاسبة من يمثلهم، وكيف أن التصويت هو أداة للتغيير لا لتجديد البيعة للعائلات النافذة. إن الانتقال من “السياسة كعاطفة” إلى “السياسة كحسابات وتدبير” هو السبيل الوحيد لاستعادة الثقة التي أهدرتها ممارسات “الذكاء الاصطناعي” والمجاملات الرقمية.

إن تدوينة لبنى أمغار، بكل ما حملته من تناقضات، تظل وثيقة إدانة غير مباشرة لواقع سياسي بات في أمس الحاجة إلى “نفض الغبار” عن ديمقراطيتنا المحلية. إن المحاسبة ليست فعلاً عدائياً، بل هي ضمانة لبقاء المؤسسات، والمواطن اليوم مدعو، أكثر من أي وقت مضى، إلى التمييز بين من يبيع الأوهام عبر الصور والكلمات، وبين من يحمل مشروعاً حقيقياً يلمس يومياته.

«إن السياسة التي لا تعلو بمصلحة المواطن فوق روابط الدم، هي سياسة لا تصلح للحاضر ولا تبني المستقبل، فالمؤسسات ليست ملكاً لأحد، بل هي أمانة في أعناق من يختارهم الناس لتمثيلهم بصدق لا بمجاملة.»

منشور لبنى أمغار:

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق