في أزقة الحسيمة التي لم تهدأ فيها تداعيات سنوات من الغليان الاجتماعي، لا يُنظر إلى الانتخابات كاستحقاق تقني لإفراز وجوه جديدة لتدبير الشأن العام، بل كـ”ميزان” لقياس مدى جرأة النخبة السياسية على تسمية الأشياء بمسمياتها. هناك، في المقاهي التي تشهد نقاشات حادة، وفي بيوت الأسر التي ما زالت مقاعد أبنائها داخل السجون فارغة، يتردد السؤال بمرارة: هل تحولت أصوات الناخبين إلى مجرد وقود لتجديد الشرعية دون ثمن سياسي حقيقي؟
لا يقتصر الأثر هنا على البعد الرمزي أو السياسي، بل يمتد ليطال الاستقرار النفسي والاجتماعي لمئات العائلات التي علقت حياتها بين أمل “العفو” الذي يلوح في الأفق مع كل مناسبة، وبين واقع استمرار الغياب. بالنسبة لهذه الأسر، لم يعد الخطاب الانتخابي المعتاد حول “تنمية الإقليم” و”محاربة الريع” كافياً لإقناع مواطن فقد الثقة في جدوى المؤسسات، ما لم تكن هناك إشارة صريحة تُنزل مطلب “الإنصاف” من سماء الشعارات إلى أرض الممارسة التشريعية.
إن التباين الذي نلاحظه اليوم بين مرشحي “دائرة الموت” ليس مجرد خلاف حول برامج انتخابية، بل هو تعبير عن أزمة “هوية سياسية” تعيشها الأحزاب في تعاملها مع الملفات الحقوقية الكبرى. فبينما يختار البعض التحصن خلف عبارات دبلوماسية “حذرة” تفادياً لصدام مع دوائر القرار، يندفع آخرون لرفع سقف المطالب كشرط للتعاقد مع الناخب، وهو ما يضع المواطن الحسيمي أمام اختبار عسير في قاعة التصويت.
هذا المقال لا يهدف إلى إطلاق أحكام مسبقة، بل إلى تفكيك هذه المفارقة. فنحن أمام مشهد يتداخل فيه الحقوقي بالسياسي، والانتخابي بالوطني، والوعود بالنتائج. وما نسعى إليه هو تقديم قراءة موضوعية لمدى قدرة الطبقة السياسية على استيعاب نداءات الشارع التي لم تجد صدىً لها في قبة البرلمان طيلة ولايات تشريعية سابقة، مع التركيز على المسافة الفاصلة بين الخطاب السياسي والالتزام الأخلاقي.
تشهد دائرة الحسيمة الانتخابية برسم استحقاقات 23 شتنبر 2026، حالة من الاستقطاب غير المسبوق، حيث يتنافس 14 مرشحاً على أربعة مقاعد فقط، في ظل تصنيف محلي يصفها بـ”دائرة الموت”. وفي قلب هذا الزخم، يبرز تباين جوهري في المرجعيات السياسية والبرامجية، يتجلى في الطريقة التي تتعاطى بها الأحزاب مع “ملف معتقلي حراك الريف”، وهو الملف الذي شكل لسنوات “الفيل في الغرفة” الذي يتحاشى الجميع الحديث عنه بصراحة خلال المواسم الانتخابية.
تخوض الأستاذة حنان المعروفي السباق وكيلة للائحة حزب العدالة والتنمية، مستندة إلى “ميثاق المنتخب” الذي يركز على محاربة الفساد والريع، في محاولة لاستعادة جزء من القاعدة الانتخابية التي تآكلت في السنوات الأخيرة. خطاب المعروفي يلامس قضية “المصالحة” و”العدالة المجالية”، لكنه يظل في إطار التحفظ المعهود لحزبها تجاه تسمية المعتقلين بالاسم أو رفع مطالب محددة للإفراج عنهم، معتبرة أن المدخل التنموي هو السبيل الأمثل لاستعادة الثقة في المؤسسات.
في المقابل، يتبنى ياسين الفاسي، مرشح تحالف اليسار، مقاربة صدامية بامتياز، حيث وضع إخلاء السجون من كافة معتقلي الرأي والحراكات الشعبية شرطاً أولياً لأي مشاركة في المسؤولية. هذا المطلب لا يظهر كبند ثانوي في برنامجه المحلي، بل كعمود فقري لمشروع سياسي يدعو لـ”ملكية برلمانية” وإعادة هيكلة العلاقة بين المواطن والسلطة، مما يجعله في مواجهة مباشرة مع التوجهات التقليدية للأحزاب الأخرى المشاركة في المنافسة.
يأتي هذا النقاش في سياق وطني دقيق ومثير للتساؤلات، فبينما تعاقبت العفو الملكية خلال شهر غشت 2026، والتي شملت مئات المواطنين في مناسبات متعددة، ظل اسم ناصر الزفزافي ورفاقه خارج هذه اللوائح. هذا الغياب المستمر أضفى صبغة سياسية قوية على المعركة الانتخابية بالحسيمة، وجعل من السؤال حول “أفق إنهاء الملف” ليس فقط مطلباً حقوقياً، بل اختباراً لمدى قدرة المرشح على التعبير عن نبض منطقته.
إن تتبع مسار هذا الملف يكشف عن فجوة زمنية وسياسية كبيرة بين انتظارات الساكنة والإجراءات المتخذة. فمنذ اندلاع أحداث الحسيمة وصولاً إلى المحاكمات وصدور الأحكام، لم تنجح المؤسسة التشريعية في تبني مبادرة قوية وملموسة لطي الصفحة، وظل الترقب سيد الموقف. تزايدت وتيرة هذه الانتظارات مع اقتراب موعد انتخابات 2026، خصوصاً بعد توالي العفو الملكي الذي أثار آمالاً لم تتحقق، مما حول النقاش من الأروقة الحقوقية إلى الميادين الانتخابية.
| التاريخ أو المحطة | الإجراء أو القرار المتخذ | السياق السياسي والمؤسساتي | الأثر الميداني المترتب |
|---|---|---|---|
| 2017 – 2018 | اعتقالات مكثفة ومحاكمات | تأزم الموقف في منطقة الريف | حالة من الاحتقان الشعبي والاحتجاج |
| غشت 2026 | صدور ثلاث عفوات ملكية متتالية | إعداد المناخ لانتخابات تشريعية | استمرار حالة الترقب وخيبة أمل عائلات المعتقلين |
| غشت 2026 | رسالة العلمي الحروني للمؤسسة الملكية | تحرك جمعوي للضغط من أجل حل سياسي | تصاعد النقاش حول جدوى المشاركة الانتخابية |
| شتنبر 2026 | بداية الحملة الانتخابية بالحسيمة | تنافس 14 مرشحاً على 4 مقاعد | انقسام في الخطاب الانتخابي تجاه ملف المعتقلين |
تظهر هذه الكرونولوجيا أن تفاعل الفاعلين السياسيين مع ملف الحراك ظل محكوماً دائماً بعامل “الانتظارية”. فحتى في لحظات التحضير للانتخابات، نجد أن الأحزاب لم تُقدم على خطوات جريئة داخل مؤسساتها لفرض الملف كأولوية في أجندة الدولة. هذا التردد في اتخاذ موقف صريح يعكس رغبة في الحفاظ على “توازن مريح” مع مراكز القرار، مقابل التضحية بالصدقية المطلوبة لدى القاعدة الناخبة في الحسيمة.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الحراك المجتمعي ظل ضاغطاً، مما دفع بعض التيارات، كتحالف اليسار، إلى تحويل هذا “الضغط” إلى “برنامج انتخابي”. هذا التحول يعكس بداية تشكل وعي جديد لدى نخب محلية ترى أن الصمت عن المظالم لم يعد استراتيجية رابحة في صناديق الاقتراع، مما يفرض على باقي الأحزاب مسؤولية تفسير سبب غياب هذا المطلب من وثائقها التعاقدية مع الساكنة.
في السياسة، الفارق بين الوعد والنتيجة هو المعيار الوحيد لتقييم مصداقية المنتخب. بالنسبة لمواطني الحسيمة، الوعود الكبرى حول “التنمية” و”العدالة” أصبحت تصطدم بحقيقة واقعة، وهي استمرار غياب أبنائهم في السجون. بينما يرفع حزب العدالة والتنمية شعار “محاربة الريع”، يجد الناخب نفسه أمام مفارقة: كيف يمكن محاربة الريع السياسي دون التجرؤ على معالجة ملفات الاعتقال التي أنتجت هذا الريع وكرست القطيعة؟
| الوعد أو الالتزام المعلن | الجهة الملتزمة | النتيجة الواقعية على الأرض | الفارق ومؤشر الأداء |
|---|---|---|---|
| تحقيق المصالحة واستعادة الثقة | حزب العدالة والتنمية (المعروفي) | استمرار غياب المعتقلين عن قوائم العفو | مؤشر منخفض (غياب التزام صريح) |
| إخلاء السجون في 100 يوم | تحالف اليسار (الفاسي) | التزام قطعي مكتوب في البرنامج | مؤشر مرتفع (ارتباط بالمسؤولية) |
إن حنان المعروفي، بتمثيلها لحزب شارك في تدبير عشر سنوات من عمر هذا الملف، تجد نفسها في موقف حرج؛ فخطابها المعتدل لا يجد صدىً في الشارع الذي يطالب بـ”فعل” لا بـ”تلميح”. وفي المقابل، يراهن ياسين الفاسي على سقف مرتفع، مدركاً أن أي تراجع بعد الفوز سيكون بمثابة انتحار سياسي. إن هذه المقارنة ليست مجرد تباين في الأساليب، بل هي تعبير عن مدرستين في التعامل مع الأزمة: مدرسة “الواقعية السياسية” التي تؤثر السلامة، ومدرسة “الالتزام المبدئي” التي تجعل من القضايا الحقوقية مدخلاً لإصلاح النظام.
ما يجعل الفارق جلياً هو غياب أي التزام واضح من باقي الأحزاب المنافسة. إن الصمت الذي يلف برامج مرشحي الاستقلال، الأصالة والمعاصرة، والأحرار حول هذا الملف، يوحي بأن هناك إجماعاً غير معلن على “تحييد” قضايا الريف عن دائرة التنافس الانتخابي، وهو ما يراه المراقبون تهرّباً من تحمل المسؤولية السياسية تجاه جزء حيوي من الوطن، الأمر الذي يعزز الشعور لدى الساكنة بأن الانتخابات لن تغير شيئاً من معادلة الحقوق والحريات.
إن انعكاس هذه الحالة من العجز السياسي يمتد ليؤثر بشكل مباشر على استقرار المجتمع في الحسيمة. الأسر التي تعيش حالة “الانتظار الأبدي” تعاني من أزمات اجتماعية متفاقمة، حيث تضطر لتدبير مواردها الهزيلة من أجل زيارة السجون البعيدة، فضلاً عن فقدان المعيل، وهو ما يضع عبئاً نفسياً ثقيلاً على الأطفال والشباب. إن غياب السياسي عن تبني قضيتهم يجعلهم يشعرون بأنهم “خارج التاريخ” و”خارج دائرة المواطنة”، وهو شعور خطير يغذي الانكفاء على الذات.
على مستوى المقاولات الصغرى والنشاط الاقتصادي في المدينة، أدى طول أمد الملف وما صاحبه من تضييق إلى “هروب” الرساميل المحلية وشعور بعدم الأمان، مما زاد من معدلات البطالة بين الشباب. لا يمكن الحديث عن تنمية في بيئة لا تشعر بالعدالة، فالتنمية ليست مجرد مشاريع إسمنتية، بل هي بناء لمناخ من الطمأنينة السياسية والحقوقية، وهو ما تفتقده الحسيمة اليوم بسبب غياب إرادة حقيقية لطي ملف الاعتقال.
الطبقة المتوسطة، التي كانت تعول على السياسة لتكون وسيطاً لحل الأزمات، وجدت نفسها في حالة عجز. إن فقدان الثقة في قدرة البرلمانيين على إيصال صوتهم جعل من صندوق الاقتراع مجرد “طقس” فارغ من أي معنى سياسي. هذا الإحباط الجماعي هو الذي يفسر دعوات المقاطعة المتداولة، والتي وإن لم تنطلق من تنظيم مركزي، فهي تعبير عفوي عن احتجاج ضد سياسة “الأذان الصماء”.
إن استمرار هذا الوضع يحمّل الدولة والمؤسسات مسؤولية تاريخية؛ إذ لا يمكن الحديث عن إنجاح أي استحقاق انتخابي في ظل شعور جزء من الشعب بأن أصواته لا قيمة لها أمام ملفات تهم حريتهم وكرامتهم. إن الحاجة اليوم تتجاوز الوعود الانتخابية لتصل إلى إجراءات ملموسة، فالمواطن في الحسيمة، كما في كل ربوع المغرب، يحتاج إلى سياسي يرى معاناته، لا إلى من يستخدمها في بورصة الانتخابات لكسب مقعد يغيب عنه بمجرد إغلاق مكاتب التصويت.
في المقابل، لا يمكن فهم الحساسية التي تطبع خطاب الأحزاب السياسية الكبرى تجاه ملف معتقلي الحراك دون استحضار طبيعة التحديات التي يواجهها الفاعلون المؤسساتيون في تدبير ملفات ذات أبعاد أمنية وقضائية معقدة. فالمسؤولون في هذا السياق، ومنهم مرشحو أحزاب شاركت في التدبير الحكومي، غالباً ما يرفعون شعار “الحكمة والتروي” كمنهجية للتعامل مع هذا النوع من القضايا، معتبرين أن الإفراج لا ينبغي أن يكون موضوع مزايدة انتخابية، بل هو حصيلة مسار طويل من الوساطات الهادئة والمقاربات التي توازن بين سيادة القانون والمطالب الاجتماعية.
وتدفع هذه الأطراف، في تبريرها لغياب مطلب الإفراج الصريح عن برنامجها، بضرورة التمييز بين ما هو “مطلب حقوقي صرف” وبين ما هو “برنامج حكومي إجرائي”، مؤكدة أن المصالحة التي ينشدونها تمر عبر قنوات المؤسسات الرسمية والمبادرات الملكية التي تعتبر -وفق رؤيتهم- المظلة الوحيدة القادرة على طي الملف بشكل نهائي. ويرى هؤلاء أن استحضار اسم المعتقلين بشكل مباشر في خضم الصراع الانتخابي قد يؤدي إلى “تسييس الملف” بطريقة تضر أكثر مما تنفع، محذرين من أن المزايدات قد تغلق قنوات الحوار المفتوحة خلف الكواليس بين الفاعلين السياسيين وأصحاب القرار.
كما يشدد المدافعون عن هذا الطرح على أن الأولويات المحلية، مثل تعزيز البنيات التحتية، وتحسين الولوج للخدمات الصحية، وتوفير فرص الشغل في منطقة عانت طويلاً من التهميش المجالي، هي في جوهرها جوهر المصالحة الحقيقية. بالنسبة لهم، فإن بناء “مغرب المؤسسات” وتكريس “العدالة المجالية” هما الكفيلان بخلق بيئة لا تنتج الاعتقال، معتبرين أن أي تركيز على ملفات مطلبية ذات طابع حقوقي دون تقديم بدائل تنموية ملموسة، هو نوع من “الهروب إلى الأمام” الذي لا يغير من واقع المواطن في الحسيمة شيئاً.
تتجاوز المسؤولية هنا حدود الشخص أو المرشح لتصل إلى “عطب بنيوي” في الممارسة السياسية المغربية، حيث يتحول البرنامج الانتخابي في كثير من الأحيان إلى وثيقة استهلاكية تبتعد عن القضايا الأكثر حرقاً في الوعي الجماعي للمواطن. إن غياب ملف المعتقلين عن البرامج الانتخابية يعكس تراجع دور الأحزاب السياسية عن القيام بوظيفتها الدستورية كوسطاء بين السلطة والمجتمع، وفضلت بدل ذلك التحول إلى “مؤسسات تقنية” تدير السياسات العمومية دون أن تمتلك الجرأة لتمثيل تطلعات القاعدة الشعبية في لحظات الأزمات الكبرى.
ويبرز هنا تضارب المصالح والحسابات الانتخابية الضيقة التي تجعل من القضايا الوطنية الكبرى ورقة تخضع لمنطق “الخسارة والربح” في الانتخابات. فالتجربة أثبتت أن التنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية بملف الحراك يظل ضعيفاً، حيث يتم إلقاء الكرة في ملعب الآخر، مما يترك الناخب في حيرة من أمره، ويجعل من صندوق الاقتراع آلية عاجزة عن إحداث التغيير المأمول، طالما ظلت الوعود الانتخابية محكومة بسقوف سياسية مرسومة مسبقاً لا تلامس عمق الجراح المحلية.
إن المسؤولية تقع أيضاً على عاتق المؤسسات الرقابية والدستورية التي لا تفرض على الأحزاب التزاماً حقيقياً ببرامجها، مما يسمح ببروز “فجوة الثقة” التي نراها اليوم في الحسيمة. فالمواطن عندما يجد أن قضيته الإنسانية الأكثر وجعاً تُستثنى من النقاش الرسمي، يشعر بانفصال تام عن اللعبة الديمقراطية، وهو ما يفسر تصاعد دعوات المقاطعة التي ليست في حقيقتها تعبيراً عن اللامبالاة، بل هي احتجاج ضد “السياسة التي تختار الصمت” حين يكون الحديث واجباً.
أخيراً، يتضح أن غياب المتابعة والتقييم للعمل الحكومي والبرلماني طيلة سنوات يجعل من التنافس الانتخابي عملية لا تُراكم التجارب، بل تكرر نفس الأخطاء. إن حصر التغيير في “صناديق الاقتراع” دون وجود “إرادة سياسية” تتبنى ملفات المصالحة كأولوية وطنية فوق-حزبية، يجعل من كل مرشح، مهما بلغت نياته الحسنة، أسيراً لنموذج انتخابي لا يسمح له بالخروج عن النص المتوافق عليه في الصالونات السياسية، بعيداً عن صرخات الشارع.
لتحصين العمل السياسي من عثرات الماضي، يتعين المضي قدماً نحو تبني ميثاق أخلاقي وسياسي يلزم الأحزاب بوضع الملفات الحقوقية والاجتماعية الكبرى في صلب البرامج الانتخابية، بعيداً عن التلميح أو التورية. إن الحكامة التدبيرية تقتضي ألا تتحول البرامج الانتخابية إلى مجرد “وعود فضفاضة”، بل يجب أن تكون عقوداً ملزمة تتضمن أهدافاً مرحلية واضحة، مع إرساء آليات قانونية تسمح للناخبين بمحاسبة المنتخبين في حال التنصل من التزاماتهم الأساسية المتعلقة بقضايا المصالحة الوطنية.
من الضروري أيضاً تعزيز استقلالية القرار الحزبي ومنحه هامشاً أوسع للتحرك ضمن المؤسسات البرلمانية، بحيث يمتلك النائب البرلماني الشجاعة لطرح الملفات الشائكة تحت قبة البرلمان دون الخوف من “الخطوط الحمراء” التي لا تخدم استقرار البلاد. إن المصالحة الحقيقية تتطلب من المؤسسات المعنية إدماج المجتمع المدني الحقوقي في عملية صنع القرار، بدل الاكتفاء بالمقاربة الأمنية أو البيروقراطية التي أثبتت التجربة قصورها في إنهاء ملفات الاحتقان الاجتماعي.
يجب على الهيئات السياسية القيام بمراجعة شاملة لطريقة ترشيح الكفاءات والقيادات المحلية، حيث يتم تقديم مرشحين يمتلكون المعرفة الدقيقة بتضاريس المنطقة وقضاياها الإنسانية، لا مرشحين يتم اختيارهم وفق منطق “الولاءات الحزبية” أو “القدرة على التمويل الانتخابي”. إن توفير الشفافية في التمويل الانتخابي سيساهم بالضرورة في تحرير المرشحين من هيمنة المال، مما يمنحهم مساحة أكبر للحديث باسم الناس والمطالبة بالحقوق المشروعة دون ضغوط مادية أو سياسية.
وأخيراً، يتعين على المؤسسة التشريعية أن تضع على رأس أولوياتها في المرحلة القادمة سن قوانين تحمي التظاهر السلمي وتضمن عدم تجريم الرأي، وهو ما سيخلق مناخاً من الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع. إن الإصلاح ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو ثقافة سياسية يجب أن تترسخ في ممارسة الفاعلين، بحيث تصبح المحاسبة، والشفافية، والالتزام بكلمة الحق، هي المعايير الوحيدة التي تفرق بين السياسي القادر على التغيير، والسياسي الباحث عن الكرسي.
إن المشهد في الحسيمة، بتبايناته بين خطاب يطالب بالتغيير الجذري وآخر يراهن على التدبير الهادئ، ليس إلا مرآة لما يعيشه المغرب من تحديات في مسار الانتقال الديمقراطي. إننا لا نبتغي من هذا التشريح النقد من أجل النقد، بقدر ما نسعى لتذكير كل طرف بأن المسؤولية الملقاة على عاتق الفاعلين السياسيين هي أمانة تاريخية لا تحتمل التأجيل، فالمواطن لم يعد يقبل بالخطاب الذي يغلف الأزمات بعبارات المصالحة الفضفاضة، بل ينتظر أفعالاً تبرهن على أن صوته في الصندوق له وزن وقيمة.
المحاسبة السلمية عبر الرأي العام، والصحافة المهنية، والمؤسسات الدستورية، تبقى هي الطريق الوحيد والأوحد لبناء مجتمع أكثر عدلاً وتوازناً. لا يمكن لأي أمة أن تمضي نحو المستقبل وهي تحمل في ذاكرتها جراحاً لم تندمل، لذا فإن تصحيح المسار يبدأ من الاعتراف بأن المصالحة ليست شعاراً يرفع في الحملات، بل هي ممارسة تبدأ بإخلاء السجون وفتح آفاق الحوار الصادق مع كل مكونات المجتمع.
نختم بالتأكيد على أن التاريخ لا يرحم الفاعلين الذين اختاروا الصمت في لحظات الحسم، فالتصويت في 23 شتنبر ليس مجرد طقس إداري، بل هو لحظة وعي جماعي ستحدد وجهة الإقليم لسنوات قادمة. إننا نأمل أن تفرز هذه المحطة الانتخابية نخبة سياسية تتحلى بالجرأة لتضع يدها على الجرح، وتضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل حسابات الربح والخسارة، لأن المغرب القوي هو الذي يصالح أبناءه، لا الذي يبقيهم بعيداً عن دائرة الضوء والمشاركة في بناء مستقبلهم.


















