أصيلة — شهدت الدورة الخريفية السابعة والأربعين لموسم أصيلة الثقافي الدولي لحظات إنسانية بالغة التأثير، حين احتضن المنتدى ندوة خاصة لتكريم روح الراحلة «طوني ماريني»، التي ارتبط اسمها بمدينة أصيلة لعقود طويلة. وجاء هذا التكريم بحضور ابنتيها، “موجة ماريني المليحي” وشقيقتها، في استحضار نوعي لمسار امرأة بصمت المشهد الثقافي والفني المغربي بعطائها المتفرد، محولةً ذاكرة المكان والزمان إلى مادة للبحث والنقد والتوثيق.
استعادة الإرث الفكري لمسيرة حافلة
لم تكن الندوة مجرد محطة عابرة في برنامج الموسم، بل كانت رحلة في أعماق تجربة «طوني ماريني» التي جمعت بين التدريس والبحث الأكاديمي والعمل الميداني في قلب الفن التشكيلي المغربي الحديث. وقد تقاطرت شهادات الفنانين والنقاد والباحثين لتسلط الضوء على دورها الريادي في دعم التجارب الفنية الشابة، ومواكبة التحولات الجمالية التي عرفها الفن البصري في المغرب، مؤكدين أن إسهاماتها شكلت مرجعاً أساسياً لحفظ الذاكرة الفنية الوطنية من الضياع.
«أم أصيلة» وأثرها الإنساني العميق
وبينما كانت الشهادات التقنية تروي فصول إنجازاتها المهنية، أضفى حضور ابنتي الراحلة لمسة إنسانية دافئة، حيث انتقل الحوار من أروقة النقد إلى رحاب الذاكرة العائلية والمجتمعية. واستحضرت موجة ماريني المليحي، في لحظات مؤثرة، العلاقة الوجدانية التي ربطت والدتها بمدينة أصيلة وسكانها، وهي العلاقة التي تبلورت عبر السنين لتمنحها مكانة مرموقة في وجدان المدينة، لدرجة أصبحت معها تلقب بـ «أم أصيلة»، تعبيراً عن التقدير الكبير الذي يكنه لها أهل المدينة لالتزامها الدائم بقضاياها الثقافية.
«لم تكن علاقة والدتي بأصيلة علاقة عابرة، بل كانت ارتباطاً وجودياً عميقاً جعلها جزءاً لا يتجزأ من نسيج هذه المدينة، وهو ما انعكس في شغفها الذي لم ينقطع يوماً تجاه أهلها وثقافتها، وهو ما جعلها تحظى بهذا اللقب المحبب لقلوبنا: أم أصيلة»
امتداد لنهج الوفاء في موسم أصيلة
ويأتي هذا التكريم ضمن استراتيجية أوسع اعتمدتها إدارة موسم أصيلة في دورته السابعة والأربعين، حيث خصصت مساحة بارزة للاحتفاء بالشخصيات التي تركت بصمات واضحة في مسار الحياة الثقافية المغربية. وقد برز اسم «طوني ماريني» في هذا السياق كنموذج للمثقف الملتزم الذي زاوج بين الممارسة النقدية الصارمة وبين بناء صلات إنسانية عميقة مع المحيط الفني والاجتماعي، وهو ما يجسد فلسفة المنتدى في ربط الماضي بالحاضر عبر الوفاء لصناع التغيير.
وتعكس هذه الندوة حرص المنتدى على توثيق المسارات الفكرية التي ساهمت في صقل الهوية البصرية المغربية، وتأكيداً على أن تكريم الراحلين هو في جوهره احتفاء بـ القيم الإنسانية والفنية التي أرسوها. ومع اختتام فعاليات التكريم، يظل إرث «طوني ماريني» حياً في الأبحاث التي أنجزتها وفي الذكريات التي تركتها لدى أجيال من الفنانين والمثقفين الذين واكبت مسيرتهم، مؤكدةً أن أثر الرواد لا يغيب بانتهاء حياتهم، بل يتجدد عبر استحضار تجاربهم في المحافل الثقافية الكبرى.



















