استغلال الدين في السياسة: لماذا عاقبت الهاكا إذاعة “شدى إف إم”؟

حسيمة سيتيمنذ 19 دقيقةآخر تحديث :
استغلال الدين في السياسة: لماذا عاقبت الهاكا إذاعة “شدى إف إم”؟
بقلم: رشيد البراني

قررت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، في جلستها المنعقدة بتاريخ 18 شتنبر 2026، وقف بث برنامج “دين ودنيا” على إذاعة “شدى إف إم” لمدة شهر كامل، بسبب خروقات قانونية وأخلاقية تمثلت في توظيف الخطاب الديني لتوجيه الإرادة الانتخابية للمواطنين خلال حلقة تزامنت مع فترة حاسمة من الاستحقاقات.

يأتي هذا القرار الحازم، الذي يحمل الرقم 62-26، استناداً إلى تقرير المديرية العامة للاتصال السمعي البصري، والذي رصد تجاوزات صريحة من طرف الضيف القار للبرنامج، الذي قدّم نفسه بصفة “الأستاذ الشيخ الداعية”. فقد عمد المتحدث إلى ربط التصويت على المرشحين بمعايير دينية ومفاهيم فضفاضة، محذراً من اختيار من وصفهم بـ “الفاسدين” ومذكّراً المستمعين بمسؤوليتهم الدينية أمام الله عن أصواتهم، وهو ما اعتبرته الهيئة توظيفاً غير مشروع للممارسة الدينية في الفضاء العمومي السياسي.

تجاوز الالتزام بالحياد والتحكم في البث

لم تتوقف ملاحظات المجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري عند ما تفوه به الضيف فحسب، بل امتدت لتشمل منشّطة البرنامج التي سارت في اتجاه تأييد خطاب الضيف بدلاً من ممارسة التنشيط المهني المحايد. وقد سجلت الهيئة تقصيراً في التحكم في البث وتوجيه النقاش، حيث غاب التوازن المطلوب بين الآراء، ولم يتم توضيح أن التصريحات الصادرة تعبر عن وجهة نظر شخصية، وهو ما يعد إخلالاً صريحاً بواجبات النزاهة والموضوعية التي ينص عليها القانون رقم 77.03 المنظم للقطاع.

إن هذا القرار يضعنا أمام تساؤل جوهري حول أخلاقيات الإعلام في المغرب؛ إذ يؤكد المجلس أن استعمال الصفة الدينية والوضع الاعتباري لفرض وصاية على الناخبين يمس بالتماسك الاجتماعي، ويحول الفضاء السمعي البصري من منصة للنقاش التعددي إلى ساحة لـ “التمييز السلبي” بين فئات المجتمع بناءً على انتماءاتها أو قناعاتها، وهو ما يتناقض مع ثوابت المملكة الدستورية.

سوابق متكررة وتنبيه لمسؤولية المؤسسات

لا يعتبر هذا الإجراء معزولاً عن سياقه التاريخي، إذ تُعد هذه الحلقة جزءاً من سلسلة إنذارات وقرارات سابقة طالت البرنامج نفسه سنوات 2014، 2015، 2016، 2025، وصولاً إلى قرار التوقيف المؤقت في 2018. وتؤكد هذه التراكمات أن شركة “شدى راديو” لم تنجح في استيعاب التزامات دفتر التحملات، لا سيما المقتضيات التي تفرض مراقبة البرامج المسجلة والتحكم الفوري في البث المباشر لضمان احترام القواعد القانونية والتنظيمية.

إن النقد الموجه هنا لا يمس حرية التعبير، التي تظل مكفولة دستورياً، بل يركز على مسؤولية الإعلام في صيانة الحقل السياسي من الانزلاقات التي تستغل العاطفة الدينية للتأثير على خيارات المواطن. وبذلك، تعيد هذه الواقعة تذكير المتعهدين بأن دفاتر التحملات ليست مجرد وثائق إدارية، بل هي ميثاق أخلاقي وقانوني يحمي السلم الاجتماعي من التوظيف السياسي غير النزيه للمقدسات.

المصدر بلاغ رسمي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق