
في الحقيقة، قد لا نبالغ إذا قلنا إن تمثلات الشعب المغربي للبرلمان، في جزء مهم منها، لا تزال سيئة وغير مشجعة على التفاعل الإيجابي مع هياكله أو برامجه، فضلًا عن تشكيله أو متابعته أو تقييمه وتقويمه.
ففي الوقت الذي يعتبره الدستور مؤسسة تشريعية ورقابية، من الشعب وإليه، فإن فئات عريضة من هذا الشعب لا تحتفظ عنه إلا بتمثلات سلبية، كثيرًا ما يغذيها بؤس الواقع وتعقيداته، وعجز البرلمان عن مجرد الخوض فيها، فضلًا عن العمل الحقيقي والفعال على حلها والتخفيف من مضاعفاتها.
كل ذلك يجعل البرلمان، عند كثيرين، مقرونًا بتمثلات سلبية؛ منها كونه مجرد واجهة لشراء أصوات النخب وولاءات الأعيان، مهمتها المصادقة على سياسات وتمرير قرارات لا تعبر عن الإرادة الشعبية.
وهو، في نظرهم أيضًا، هيئة لا تشتغل إلا في مشاريع وبرامج فوقية جاهزة ومحسومة سلفًا، تُرفض فيها كل الملاحظات والتعديلات التي لم يقل بها مهندسوها، ضدا على منطق الحكامة التشاركية.
كما يُنظر إليه أحيانًا باعتباره عاجزًا عن الاقتراب من المواضيع الحارقة التي قد تمس هوية المجتمع أو تنخر هوامشه، بما يجعل جلساته، في نظر هؤلاء، مجرد مسرحيات سمجة وسيئة الإخراج والإخراج، وسط غياب واضح ودائم لأبطالها، وميزانية ضخمة وتقاعد مريح لممثليها، لا ينال مثله من أفنوا أعمارهم في الأعمال المضنية والمحطمة للصحة الجسدية والنفسية.
إنه، في هذه التمثلات، برلمان الأمية الأبجدية، مبتلع الطاقات المحترقة والمبدعة، وفاصلها عن الشارع بالبطالة والغلاء والمظاهرات والتوترات والحراكات والهجرات، في خرق صريح لما وضعوه، أو وضع لهم، من بنود مدونة السلوك والأخلاقيات.
ماذا تقول مدونة السلوك؟
ينص البند 390 من هذه المدونة على ما يلي:
“يجب على النائبات والنواب أن يعملوا لمصلحة الوطن والمواطنين، وعلى إيثار المصلحة العامة على كل مصلحة فئوية أو خاصة، وتجنب تضارب المصالح مع مهامهم النيابية، وألا يستغلوا مهامهم النيابية لتحقيق مصلحة خاصة أو منفعة مالية أو عينية لهم أو لذويهم.”
وأكيد أننا بعيدون عن ذلك في حالات كثيرة، وأن هناك تحديات عديدة، وعلى مختلف المستويات، تحول دون إبقاء البرلمان على جوهره الرقابي اللازم، والتشريعي المنتج، وهويته التمثيلية والخدماتية للشعب.
وفي ما يلي بعض الأسئلة الشائكة التي، من دون مواجهتها، ستبقى الهيئة مجرد صورة باهتة بعيدة عن أهدافها التشريعية وأدوارها التنموية، وبعيدة، بالأخص، عن حيويتها وجاذبيتها.
سؤال التمثيلية وتوسيعها
هل تتمثل في البرلمان كل الجهات وكل الفئات وكل القبائل والهويات والثقافات، بما يعكس تعدد المغرب وتنوعه؟
ولماذا كل هذه الحشود من الفاعلين الذين ينشطون، وبحيوية، خارج المؤسسات؟ هل كان ذلك اختيارهم أم اضطرارهم؟
إن ضعف التمثيلية الحقيقية لا يقتصر على حضور جهة أو غياب أخرى، بل يمتد إلى تمثيل الفئات الاجتماعية، والطاقات الشابة، والنساء، والعالم القروي، والمناطق الجبلية، والهامش الذي غالبًا ما يُطلب منه التصويت، ثم يُترك خارج دائرة القرار.
سؤال العمل الحقيقي للبرلمان
إذا كان البرلمان يتصدى للمشاكل الحقيقية للشعب، فكيف هو مع الصحة والتعليم والتشغيل؟ وهي أزمات تستفحل لعقود وعقود بدل أن تخف.
كيف هو مع الهوية والبطالة ومحاربة الغلاء ومقاومة التطبيع؟ وكيف يتعامل مع التنسيقيات الفئوية والحراكات الإقليمية والهجرة الفردية والجماعية، وهي ملفات ترتفع ألسنة لهبها الحارقة في كل لحظة وفي كل بقعة؟
فالمواطن لا يقيس قيمة المؤسسة بعدد الجلسات ولا بحجم البلاغات، بل بمدى قدرتها على تحويل المعاناة اليومية إلى قوانين عادلة، وإجراءات قابلة للتنفيذ، ومحاسبة واضحة لمن أخلف وعده أو عطّل حقًا.
طبيعة العمل العدلي للبرلمان
ماذا يقبل البرلمان من اقتراحات الغرفتين، دلالة على حق الاجتهاد، وتثمينًا لجهد الإبداع، وضمانًا لحق المشاركة الفعلية والحكامة بين الفرقاء والاستيعاب التمثيلي والإنصاف الجهوي والمجالي؟
وهل يستطيع الخروج من المسطر الحديدي لمصالح اللوبيات المركزية وجشعها؟ أم كُتب على ممثلين، طيلة الولاية، أن يصادقوا على مشاريع لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا لمناطقهم وفئاتهم؟
إن البرلماني الذي لا يملك أثرًا في التشريع، ولا قدرة على تعديل النصوص، ولا شجاعة في مساءلة الحكومة، يتحول من ممثل للأمة إلى مجرد رقم في عملية التصويت.
الترجمة الحقيقية للمشاريع الملكية
هناك مشاريع كبرى لا تكاد تراوح مكانها، أو تتحرك ببطء شديد، من قبيل الجهوية الموسعة والدولة الاجتماعية.
فأين البرلمان من هذه الأوراش؟ وأين هو من برلمانات الشارع وحراكاته الاجتماعية؟ وكيف يمكنه أن يكون صوتًا للمواطنين إذا كانت ملتمسات الرقابة تُقدَّم لإسقاط حكومة لا تسقط، أو لا تملك الشجاعة على ذلك، ولا حتى اليقظة لإطفاء نيران دبت في أطراف فساتينها؟
انتخابات المال الحرام بسخاء
هناك عوامل متعددة أدت إلى هذا الوضع، ولا بد من تداركها إذا أردنا إصلاح المؤسسات وإحكام بنيتها وتقوية شرعيتها، وبالأخص مصداقيتها وفعاليتها والثقة فيها.
وفي مقدمة هذه العوامل، عوامل التشكل أو الانتخابات، التي ينبغي القطع الجازم مع كل أشكالها الهالكة والمهلكة.
أولها انتخابات المال الحرام بسخاء، بكل أشكاله وكل أسعاره، تحت شعار غير معلن: “بقدر ما تعطي، بقدر ما تنجح”.
فمجرد 200 درهم للصوت في “دار ممتدة ودوار واحد” قد يكسب صاحبها 8000 صوت، وهي كافية لإنجاحه، ولو على ذمة “القاسم المشترك” الذي يضمن ذلك.
والأخطر من ذلك أن يتحول مشروع من قبيل: ماء وكهرباء، مدرسة ومستوصف، طريق ونقل، مسجد للحي، حديقة وملعب قريب، إلى مجرد عقود شراكات مع الشركة الخاصة بالمرشح أو أحد أقربائه، والجمعية الوهمية لأصدقائه الذين يتحولون، في الحقيقة، إلى “بلطجيته” الانتخابية.
انتخابات القبيلة والعائلة الممتدة
تعني هذه الانتخابات الدعاية والتصويت لابن العائلة بالدرجة الأولى، بدل الدعاية والتصويت للكفاءة والصلاح والحزب اليقظ.
والحزب الذي يعرف كيف يستثمر الحمية والتحالفات قد يجمع لمحظوظه 15 أو 20 ألف صوت. فتنجح القبيلة، ولكن تخسر القرية.
تتراجع القرية في كل شيء، وهي التي كان طموحها أن تصبح مدينة مزدهرة. تمر عليها ولايات وولايات، وهي تعاني من الفقر وخنق الجفاف، حتى يجد أبناؤها، الذين لم يجرؤوا على كسر “عهد القبيلة” والحط من كلمتها كي لا يصبحوا مساخيطها، أنفسهم أمام خيار الرحيل نحو المدينة في مغامرة عيش تقتلعهم من جذور الجذور.
انتخابات الصورة الشعبوية
هناك كذلك انتخاب مبني على الصورة الشعبوية للأعيان الجدد: مرشح بخطاب عاطفي جياش، يتحدث ببراعة عن المكبوت من يأس الناخبين، ويفجر بؤسهم، ويقنعهم بأنهم يستحقون الأفضل، وأن هذا الأفضل سيأتي على يده، فقط إذا ساروا وراءه وكانوا معه.
يظهر في الأسواق يأكل “الهندي”، ويركب معهم “التريبورتور”، ويجلس في المقهى ليكرمه صاحبه بالمشروب “البلدي”، ثم ينتصر انتخابيًا.
لكن بعد النجاح، لا يتحقق شيء من الوعود الانتخابية؛ لأن السياسات والميزانيات والتصويت على القرارات أعقد من كل الرغبات والنوايا الطيبة، بل أعقد حتى من المظالم الواضحة والمرافعات الصادقة.
انتخابات المقاطعة تلو المقاطعة
وتأتي المقاطعة تلو المقاطعة تحت شعار سوسيولوجي خطير تجسده العبارة: “أولاد عبد الواحد كلهم واحد”، و“أصلًا الأحزاب ما عندهاش لا سلطة ولا حكم”.
كم عقودًا أمضيناها وراء هذه العبارة، نجتر الكلام تلو الكلام في القضايا نفسها، بينما هي تزداد استفحالًا وتعقيدًا، ونزداد نحن ضعفًا ويأسًا؟
أصبحنا اليوم أمام انقسام مخيف: 50 في المائة يهتمون بالسياسة والإصلاح، و50 في المائة لا يهتمون بأي شيء، كان إصلاحًا أو إفسادًا.
ويتناسى كثيرون أن الانتظار لا يسوي المعضلات، فما بالك بتطوراتها وتعقيداتها عبر الزمن وتبدل أدوات الاشتغال؟
ما يحتاجه المغرب فعلًا
ما أضيق السوق الانتخابية إذا ظلت غارقة في الضحل المادي الآسن. ولو تنحت شيئًا ما جانبًا، لرأت أن هذا الوحل المادي الصرف هو الذي يغرقها وينتنها ويفسدها، حتى لم يعد الناس يأملون شيئًا في وعودها، فكيف بإنجازاتها؟
إن الأمر ليس من قلة السياسات والمخططات، ولا من قلة البرامج والميزانيات. لكن أكثر ما نفتقده، لو رأيتم، هو القيم الأخلاقية والإنجازات المعنوية، التي قد لا تتطلب غير الإرادة الصادقة، دون فلس واحد من الميزانية.
إنها مرتكزات كل الشعوب والزعماء في معاركها السياسية وتنميتها الاجتماعية وعدالتها المجالية: الحرية، الكرامة، الإنصاف، العدالة، الحقوق، المساواة، وحتى التمييز الإيجابي إذا لزم أحيانًا.
شعارات صنعت الثقة
رفع باراك أوباما في حملته الرئاسية الأمريكية شعار: “Yes We Can”، أي “نعم نستطيع”. كان شعارًا بسيطًا وعميقًا، غير مادي، لكنه جمع حوله ملايين الأنصار، وأعاد إليهم الثقة وفتح أمامهم الأبواب الموصدة، خاصة في مواجهة الأزمة المالية لسنة 2008.
وفي فرنسا، يرفع جان-لوك ميلانشون شعار “L’insoumission”، أي “التمرد وعدم الخضوع”. وهو شعار معنوي لا يعني الدعوة إلى الفوضى، بل يستند إلى تاريخ فرنسي حافل بقيم الحرية والتمرد على ما يُنظر إليه بوصفه غير شرعي وغير منطقي.
ومن بين مضامينه التمرد على السياسات المالية التي تخنق الفئات الضعيفة، وعلى مركزية السلطة، وعلى التبعية السياسية، وعلى إعلام أوليغارشي تملكه أقلية ثرية، وعلى الخطابات التي تهمش المهاجرين والمسلمين.
كما رفع غاندي شعار “Quit India”، أي “اخرجوا من الهند”، في مواجهة الاستعمار البريطاني. ورفع نيلسون مانديلا شعار “Amandla Ngawethu”، أي “السلطة للشعب”، في معركته ضد التمييز العنصري.
ورفع ماو تسي تونغ شعار “Let the rose bloom”، أي “دع الوردة تينع”. أما أردوغان، فرفع سنة 2002 شعار: “Yeter, söz milletindir!”، أي “كفى، الكلمة للشعب”.
لقد كانت هذه شعارات معنوية وأخلاقية استطاعت تعبئة الشعوب أكثر من أي وعد مادي، لأن المادي قد يأتي أو لا يأتي، ما دامت هناك عوائق أخلاقية تحول دون تحقيقه.
الثقة والكرامة
ليس عبثًا أن ينادي الناس بالعدالة والتضامن والمساواة والإنصاف. فكلها عناوين أخلاقية لمعنى واحد أو اثنين أساسيين فيهما كل شيء مادي ومعنوي: الثقة والكرامة.
وخلال بعض الحملات الانتخابية، تتردد شعارات أخلاقية راقية، من قبيل: الحرية للمعتقلين، الشغل للجميع، الهوية الوطنية، الديمقراطية، التنمية، العدالة الاجتماعية، الأسرة، المدرسة، التضامن، الكرامة الإنسانية، الجهوية واللامركزية.
لكن أثناء الحملات الميدانية والبرامج الإعلامية، لا أحد يعبئ على أساسها أو يخوض في مفاهيمها وتطورها ولوازمها وتمثلاتها ومعيقاتها. وسرعان ما تختفي في الحملة ككل، وتطغى عليها البرامج المادية الصرفة والأرقام السحرية.
وقد يتحول الشارع، إن أتى ولمن أتى، إلى مجرد رصيف بالإسفلت أو الزليج: “أنت وزهرك”. ويتحول المسجد إلى مجرد مآرب أمامه ساحة.
ذلك أن التصويت كان قبليًا، أو على غواية مادية، إن لم نقل على بياض انتخابي، تم فيه البيع للمرشح المادي؛ أرى الناس من الربح قنطارًا، وسلب منهم رأس تنميتهم دون حس أخلاقي.
ومن أين له بالحس الأخلاقي، وهو من أتاح لنفسه استغلال فقر المواطن في الانتخابات وشراء ذمته بالقليل أو الكثير؟ ومن شرع لنفسه استغلال جهل الناخب وأميته وانتماءه القبلي، وهو عنده أمر مشروع الاستباحة؟
وهل ما سُجل من تدخل بعض الشيوخ والمقدمين وبعض رجال السلطة لصالح أحزاب ومرشحين، في عصر الذكاء الاصطناعي، هو من شفافية الاستحقاق؟ أم من الفساد والبهتان والسحر الذي طالما انقلب على الساحر دون جدوى؟
السؤال الأخير
إن الزعماء الذين نجحوا في ثوراتهم التغييرية والإصلاحية والتنموية، وتعبأت لهم شعوبهم، ونقلوا بفضلها بلدانهم إلى مصاف الدول المتقدمة والشعوب المزدهرة، كانت شعارات معاركهم أخلاقية.
وعبر الأخلاق جاء الفائض المادي الذي تمتعت به البلاد والعباد، وليس العكس.
ولمن لم يدرك بعد هذا، فليحاول الإجابة بصدق عن سؤال واحد:
هل نحن في المغرب نعاني حقًا من قلة الإمكانيات، أم من سوء توزيعها وغياب حكامة تدبيرها؟
وإلا، كيف تظهر هذه الإمكانيات، بقدرة قادر، إذا تعلق الأمر بمشاريع كبرى من حجم ملاعب 5G وقطار TGV؟
وهل سيُعالج هذا الإشكال فعلًا بالوعود المادية، أم بالقيم الأخلاقية التي تتشبع بها عقولنا ويتأثر بها إيجابًا واقعنا؟
















