في المغرب، لا تحتاج بعض الأحزاب إلى كثير من الوقت لتبدّل جلدها، ولا إلى كثير من الخجل لتعيد كتابة تاريخها بعبارات منمقة. وهذا بالضبط ما فعله نبيل بنعبد الله حين خرج من الحسيمة ليصف توقيع حزبه على بيان الأغلبية ضد حراك الريف بأنه “خطأ جسيم ومصيبة”، وكأن الحزب لم يكن يومها جزءًا من السلطة، وكأن الريف لم يدفع ثمن ذلك الموقف، وكأن الذاكرة السياسية للمغاربة قصيرة إلى هذا الحد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل كان التوقيع خطأ؟ بل: أين كان هذا الاكتشاف عندما كانت الأحكام الثقيلة تصدر، وعندما كانت الأسر تُكسر، وعندما كان المعتقلون يُساقون إلى مصيرهم باسم القانون؟
المشهد أقرب إلى مسرحية سياسية منه إلى مراجعة حقيقية. حزب كان في الحكومة، فاختار الصمت المريح أو التواطؤ المؤدب، ثم خرج بعد سنوات ليضع نفسه في خانة “المراجعين الشجعان”. الحقيقة أبسط من كل هذا التجميل: كثير من السياسيين لا يعارضون الظلم حين يقع، بل يعارضون أثره الانتخابي حين يقترب الصندوق.
وهنا تكمن ازدواجية المعايير في أوضح صورها: حين يكون الحزب داخل السلطة، يتحدث باسم المؤسسات، وحين تقترب الانتخابات، يتذكر فجأة الشعب، والحرية، والاحتجاج السلمي، والعدالة، والانفراج السياسي.
بنعبد الله لم يكتف بالاعتراف المتأخر، بل حاول أن يقدّم نفسه في صورة من كان دائمًا في صف المطالب المشروعة. لكن الذاكرة العامة لا تُدار بالتصريحات الطارئة، بل بالوقائع. والوقائع تقول إن حزبه كان جزءًا من أغلبية اختارت لغة التبرير والضبط بدل لغة الإنصاف والمواجهة السياسية الصريحة. أما اليوم، وبعد أن تغيّر المزاج الشعبي، وبعد أن بدأت الأحزاب ترتب قوائمها وشعاراتها، صار من السهل جدًا أن يتحول “الخطأ الجسيم” إلى ورقة دعائية جديدة.
المفارقة أن هذه التصريحات جاءت من الحسيمة نفسها، أي من المكان الذي يعرف أكثر من غيره معنى الخذلان السياسي. فكيف لحزب ساهم في تغطية موقف رسمي أن يعود إلى المنطقة نفسها ليقدّم نفسه كصوت المراجعة والضمير؟ وكيف يمكن لمواطن فقد ثقته في الأحزاب أن يصدق أن من بارك الصمت بالأمس صار اليوم حامل لواء الانفراج؟
الجواب واضح: هذه ليست شجاعة سياسية، بل محاولة متأخرة للتموقع قبل الاستحقاقات الانتخابية.
وما يزيد الصورة سوءًا أن الخطاب جاء مشحونًا بألفاظ كبيرة: “رجة ديمقراطية”، “طي الملفات”، “استعادة الثقة”، “خيانة التعهدات”، و“هيمنة الفساد”. لكن كل هذه الكلمات تفقد قيمتها إذا صدرت ممن شارك في صناعة الإحباط نفسه أو سكت عنه حين كان يتشكل. فالذين ساهموا في إضعاف الثقة لا يملكون وحدهم حق التحدث باسم إنقاذها. والذين اختاروا الوقوف في المنطقة الرمادية وقت الشدة، لا يحق لهم أن يتحدثوا اليوم كأنهم ضحايا المنظومة لا أحد أركانها.
إن ما قاله بنعبد الله ليس مجرد مراجعة، بلإنذار انتخابي مبطن: نحن نقترب من الصناديق، ولذلك سنرفع الصوت ضد ما كنا نصمت عنه. وهذه، في السياسة، ليست قناعة بقدر ما هي حسابات. والمواطن المغربي، الذي تراكمت عليه الخيبات، صار أذكى من أن يبتلع هذه الازدواجية المكررة.فمن يريد أن يطلب الصوت، عليه أولًا أن يشرح موقفه حين كان الصمت مكلفًا، لا حين صار الكلام مجانيًا.
إذا كان لهذا التصريح أي معنى حقيقي، فهو أنه كشف ـ من حيث أراد صاحبه أو لم يُرِد ـ أن بعض الأحزاب لا تراجع نفسها إلا عندما تراجعها صناديق الاقتراع. أما ما عدا ذلك، فليس سوى تمسكن حتى تمكن، بواجهة جديدة، ومفردات أكثر نعومة، وذاكرة يُراد لها أن تُمحى قبل أن يبدأ السباق الانتخابي.



















