الشعب حين يملك الكلمة: درس إسباني في المحاسبة السياسية

من إخلاء امرأة مسنة إلى انتخابات مبكرة: حين تصبح مطالب الناس قرارا سياسيا

حسيمة سيتيمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
الشعب حين يملك الكلمة: درس إسباني في المحاسبة السياسية
بقلم: رشيد البراني

لم تكن قصة ماريكارمن أباسكال في مدريد مجرد واقعة إخلاء عادية، بل تحولت خلال أقل من أسبوعين إلى عنوان لأزمة السكن وإلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات على الاستماع للشارع. في إسبانيا، انتقل الملف من باب منزل امرأة في الثامنة والثمانين إلى مجلس الوزراء والبرلمان، ثم إلى انتخابات عامة مبكرة.

شرارة من مدريد

في 23 شتنبر 2026، أُفرغت ماريكارمن أباسكال، البالغة 87 عاما، من الشقة التي كانت تقيم فيها منذ سنة 1956 في مدريد، بعد نزاع قضائي حول عقد إيجار قديم.

لم تمرّ الواقعة بصفتها خبرا اجتماعيا محدودا. سرعان ما صارت رمزا لأزمة السكن وارتفاع الإيجارات وهشاشة المستأجرين، وانتشر شعار: «لا لماريكارمن أخرى». وانتقلت الاحتجاجات من محيط البناية إلى ساحات مدريد ومدن إسبانية أخرى، مطالبة بحماية أقوى من الإخلاء وبسياسات سكنية لا تترك الفئات الهشة في مواجهة السوق وحدها.

كان الشارع واضحا: لا يتعلق الأمر بحالة فردية، بل بحق الناس في السكن والكرامة والأمان الاجتماعي.

استجابة ثم محاسبة

تحت ضغط هذا الحراك، اعتمدت حكومة بيدرو سانشيز في 29 شتنبر مرسومين بقانون في ملف السكن، قبل أن يُعرضا على الكونغرس للمصادقة النهائية.

لكن الحكومة لم تمتلك أغلبية برلمانية مضمونة. ففي 2 أكتوبر، أسقط الكونغرس المرسومين بعد تصويت أحزاب المعارضة، من بينها الحزب الشعبي وVox وJunts، ضدّهما.

هنا يظهر جوهر الفرق بين دولة تتحرك فيها المؤسسات ودولة تتحول فيها السياسة إلى مجرد خطابات: الحكومة تقترح، والبرلمان يوافق أو يرفض، والشارع يضغط، ثم يعود القرار في النهاية إلى الناخب.

بعد فشل تمرير المرسومين واستمرار التعبئة، أعلن سانشيز في 5 أكتوبر حلّ البرلمان والدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نونبر 2026.

ليست قصة بطولات

لا ينبغي تقديم ما جرى في إسبانيا كأنه انتصار كامل أو نهاية لأزمة السكن. فالإخلاء وقع فعلا، والمرسومان سقطا، وأزمة الأسعار والإيجارات لم تختفِ. لكن الدرس السياسي مهم: حين تفشل الحكومة في تأمين دعم برلماني لقراراتها، وحين يتحول الغضب الاجتماعي إلى ضغط واسع، لا تُغلق الأزمة بالشعارات، بل تُعاد الكلمة إلى المواطنين.

الاحتجاج لا يصنع وحده سياسة ناجحة، لكنه يصبح مؤثرا حين توجد مؤسسات قادرة على الإنصات، وبرلمان قادر على الرفض، وإعلام يلاحق الملفات، وانتخابات تجعل الفشل مكلفا سياسيا.

إنه فرق بين شارع يُنظر إليه كخطر يجب احتواؤه، وشارع يُنظر إليه كمؤشر على خلل يجب إصلاحه.

المغرب: أرقام خلف الخطاب

في المغرب، لا يقل ملفا الشغل والسكن إلحاحا. فقد بلغ معدل البطالة، وفق معطيات الفصل الثاني من سنة 2026، 9,5 في المائة على المستوى الوطني، أي ما يعادل نحو 1,121 مليون عاطل.

لكن المعدل العام يخفي واقعا أشد قسوة لدى الفئات التي يفترض أن تكون في قلب أي سياسة عمومية:

الفئةمعدل البطالة
الشباب بين 15 و24 سنة27,2 في المائة
الشباب بين 25 و34 سنة14,5 في المائة
النساء14,8 في المائة
الرجال8,1 في المائة
حاملو الشهادات العليا16,7 في المائة
الوسط الحضري11,9 في المائة
الوسط القروي5,4 في المائة

هذه الأرقام تعني أن شابا من كل أربعة تقريبا، بين 15 و24 سنة، يبحث عن عمل من دون أن يجده. كما تعني أن الحصول على شهادة عليا لا يضمن الولوج إلى سوق الشغل، بل إن بطالة حاملي الشهادات بلغت 16,7 في المائة.

أما في ملف السكن، فقد أعلنت الحكومة أن برنامج الدعم المباشر استفاد منه أكثر من 101 ألف مواطن إلى غاية 7 ماي 2026. ويصل الدعم إلى 100 ألف درهم للسكن الأقل من 350 ألف درهم، و70 ألف درهم للسكن الذي يتراوح ثمنه بين 350 ألفا و700 ألف درهم.

هذه المعطيات تكشف أن هناك سياسة دعم قائمة، لكنها تفتح سؤال الفعالية: هل يصل الدعم فعلا إلى الأسر التي تعاني من الهشاشة؟ وهل يواكب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية؟ وهل يستطيع شاب عاطل أو يعمل في وظيفة غير مستقرة أن يستفيد من برنامج سكني، مهما كان حجم الدعم؟

ما الذي تفرضه المقارنة؟

المقارنة بين إسبانيا والمغرب ليست دعوة إلى نسخ نموذج أجنبي، ولا إنكارا لاختلاف السياقات السياسية والاقتصادية. لكنها تفرض أسئلة لا يمكن الهروب منها:

  • عندما يحتج مواطنون في المغرب بسبب الغلاء أو السكن أو البطالة، هل تصل مطالبهم إلى القرار العمومي، أم تنتهي في بيانات وتصريحات موسمية؟
  • هل يملك البرلمان المغربي القدرة السياسية والفعلية على إسقاط مبادرات حكومية لا تستجيب لمصالح المواطنين؟
  • هل يتحمل المسؤولون كلفة الفشل في التشغيل والسكن والصحة والتعليم؟
  • إذا كانت بطالة الشباب عند 27,2 في المائة، فما الالتزام العملي للحكومة: كم فرصة شغل؟ وفي أي قطاعات؟ وخلال أي مدة؟
  • إذا كان دعم السكن قد وصل إلى أكثر من 101 ألف مستفيد، فكم أسرة لا تزال خارج دائرة الاستفادة؟ وما أثر البرنامج على الأسعار؟
  • لماذا يجد حامل الشهادة العليا نفسه أكثر عرضة للبطالة من فئات أخرى؟
  • متى تتحول وعود الحملات الانتخابية إلى مؤشرات قابلة للقياس والمساءلة؟

الشعب ليس ديكورا انتخابيا

المشكل ليس في أن الناس يحتجون، بل في أن يُطلب منهم الصمت حين تفشل السياسات. فالمواطن ليس رقما انتخابيا يظهر كل خمس سنوات، ولا متلقيا سلبيا لقرارات تُتخذ باسمه من دون أن يشعر بأثرها في حياته اليومية.

حين يكون الشعب صاحب القرار، لا يعني ذلك أن كل احتجاج يُسقط حكومة، أو أن الشارع يحل محل المؤسسات. بل يعني أن المؤسسات تخاف من تجاهل الناس، وأن البرلمان يراقب السلطة التنفيذية، وأن الانتخابات تمنح المواطنين فرصة حقيقية للمكافأة والعقاب.

قصة ماريكارمن في إسبانيا لا تقول إن الديمقراطية تحل كل الأزمات بسرعة، لكنها تؤكد أن أزمة مواطن واحد يمكن أن تصبح قضية عامة، وأن القضية العامة يمكن أن تفرض نفسها على الحكومة والبرلمان، وأن النهاية قد تكون العودة إلى صناديق الاقتراع.

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل المغرب: متى يشعر المواطن أن صوته لا يُطلب فقط يوم الانتخابات، بل يُسمع أيضا عندما يواجه البطالة أو الإخلاء أو الغلاء أو التهميش؟

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق