قراءة تحقيقية في دراسة تتبّعت الموارد المائية بالإقليم بين 1981 و2025، وتفتح أسئلة التخزين والاستهلاك وشفافية البيانات
حسيمة سيتي – خاص
خمسة وأربعون عاما من البيانات تضع إقليم الحسيمة أمام حقيقة يصعب اختزالها في موسم جاف أو سنة شحيحة الأمطار: الإجهاد المائي ليس طارئا عابرا. دراسة علمية نُشرت في مجلة Water يوم 15 أكتوبر 2026 توصلت إلى أن الضغط على الموارد المائية ظل مرتفعا ومتكررا خلال معظم الفترة الممتدة من 1981 إلى 2025، مع تفاوت كبير بين السنوات، وتحسن مؤقت في بعضها لا يعني تعافيا طويل الأمد.
لكن ما تكشفه الدراسة لا يقتصر على توثيق أثر الجفاف. فهي تضع أيضا حدودا واضحة لما نعرفه: الباحثون لم يتوفروا على بيانات مباشرة للاستهلاك المائي، فاعتمدوا مؤشرات مناخية وهيدرولوجية وديموغرافية لتقدير الضغط على الموارد. ومن هنا يبدأ سؤال التدبير: كيف تُقيَّم نجاعة السياسة المائية إذا لم تُجمع صورة الموارد بصورة الاستهلاك الفعلي؟
هذه القراءة تستند إلى الدراسة الأصلية ومنهجيتها ونتائجها، وليست تحقيقا ميدانيا في انقطاعات التزويد أو تدقيقا في صفقات ومشاريع. لذلك لا تنسب مسؤولية تقصير محدد إلى مؤسسة بعينها، لكنها تحدد ما يستحق المساءلة، وما لا يجوز أن يبقى خلف التفسير المناخي وحده.
سجل طويل… وليس أربعين عاما من انقطاع الصنابير
تحمل الدراسة عنوان «تحليل متكامل متعدد المعايير لتقييم الإجهاد المائي في إقليم الحسيمة بالمغرب»، وأنجزها باحثون من جامعة عبد المالك السعدي وجامعة نورث في كرواتيا. وجمعت بين بيانات التساقطات والحرارة والتبخر والجريان المائي وعدد السكان، لفهم تطور الضغط على الموارد عبر 45 سنة.
والتمييز هنا ضروري: الإجهاد المائي الذي تقيسه الدراسة ليس سجلا يوميا لانقطاع مياه الشرب، ولا يثبت أن جميع سكان الإقليم عاشوا عطشا متواصلا طوال أربعة عقود. إنه تقييم للظروف التي تضغط على توافر الموارد، ضمن مجال إقليمي واسع.
غير أن هذا التحفظ لا يخفف من أهمية النتيجة. فحين يكون الضغط متكررا على امتداد عقود، لا يعود مقبولا التعامل مع كل فترة جافة كما لو كانت مفاجأة منفصلة. المناخ قد يفسر شح المورد، لكنه لا يجيب وحده عن مدى الاستعداد له.
2017 و2023: سنتان في مقدمة الخطر
بلغ مؤشر الإجهاد المائي المركب الذي بناه الباحثون أعلى قيمة له سنة 2017، مسجلا 0.829، ثم اقترب من هذا المستوى في 2023 بقيمة 0.824. وفي المقابل، سجل أدنى قيمة سنة 2010، عند 0.218، في ظروف اعتبرتها الدراسة أكثر ملاءمة من حيث توافر المياه.
هذه القيم ليست نسبا مئوية للعجز، ولا تعني أن الحسيمة فقدت 82.9% من مياهها سنة 2017. إنها درجات لمؤشر يجمع متغيرات مختلفة، وكلما ارتفعت قيمته دلّ على ظروف أشد إجهادا ضمن إطار التقييم المستخدم.
وتُظهر النتائج كذلك مستويات مرتفعة في سنوات متقاربة: 0.757 سنة 2020، و0.747 سنة 2021، و0.769 سنة 2022، و0.779 سنة 2024. والمعنى الأهم ليس ترتيب السنوات فقط، بل استمرار الضغط عبر سلسلة من المواسم، بما يضيق هامش التعافي بين فترة جافة وأخرى.
هنا يصبح التخطيط الاستباقي مسألة عملية: ما الموارد الاحتياطية المتاحة إذا تعاقبت السنوات الصعبة؟ وما الحد الذي يستدعي تدابير مبكرة قبل بلوغ وضع حرج؟ وكيف يُعرف أثر كل إجراء في تقليل المخاطر؟
المناخ مؤثر… لكن أوزان النموذج ليست نسب مسؤولية
أعطى النموذج للجريان المائي الوزن الأكبر، بنحو 48.81%، وللتساقطات 24%، ثم التبخر 13.59%، والحرارة 8.97%، والسكان 4.63%. وحدد الباحثون هذه الأوزان باستخدام التحليل الهرمي، اعتمادا على تقديرهم الهيدرولوجي والعلاقات الإحصائية بين المتغيرات، دون إجراء استطلاع رسمي لخبراء خارجيين.
تؤكد هذه البنية أهمية المناخ والهيدرولوجيا في التقييم، لكنها لا تسمح بالقول إن الطبيعة تتحمل نسبة محددة من الأزمة، أو إن دور الإنسان لا يتجاوز الوزن الممنوح للسكان.
فالعدد السكاني ليس مرادفا للاستهلاك. والنموذج لا يتضمن متغيرات مباشرة لحجم السحب الفلاحي أو السياحي أو الصناعي، ولا لتسربات شبكات التوزيع. لذلك لا يمكن استعمال نتائجه لتبرئة التدبير أو إدانته، ولا لتحديد القطاع الأكثر استهلاكا في الحسيمة.
والمساءلة المهنية تبدأ من هذه الحدود، لا من تجاوزها: ما الذي يحدث للمياه بعد توافرها؟ أين تُستعمل؟ وبأي كفاءة؟ وما مقدار ما يضيع قبل وصوله إلى المستفيد؟
فجوة الاستهلاك: الحلقة التي لم يقسها البحث
صرح الباحثون بأن بيانات الاستعمال المباشر للمياه لم تكن متاحة للدراسة، ولذلك استخدموا مؤشرات بديلة لتقدير الضغط. وهذه نقطة مركزية، لأن تقدير العرض الطبيعي لا يكفي وحده لبناء ميزان مائي تفصيلي يواجه الموارد بالاحتياجات والاستعمالات.
ولا يعني عدم توفر البيانات للباحثين أنها غير موجودة لدى المؤسسات. لكنه يفرض سؤالا عن إتاحتها وجودتها وقابليتها للربط والتحليل.
فأي تقييم محلي متكامل يحتاج إلى أجوبة قابلة للتحقق: كم يُنتج من الماء؟ وكم يُوزع؟ وكم يُستهلك فعليا؟ وما مردودية الشبكات؟ وكيف يتغير الطلب بين الشتاء والصيف؟ وما الفوارق بين الجماعات والمراكز والقرى؟
من دون هذه الأجوبة، يظل جزء من النقاش أسير العموميات: تقارير عن قلة الأمطار من جهة، ودعوات لترشيد الاستهلاك من جهة أخرى، بينما تبقى كفاءة المنظومة نفسها بحاجة إلى قياس علني.
المتوسط الإقليمي لا يروي معاناة كل دوار
اعتمدت الدراسة بيانات مناخية وهيدرولوجية من قاعدة ERA5، واستخرجت منها متوسطات مكانية تمثل الإقليم. أما السلسلة السكانية، فبُنيت انطلاقا من إحصاءات 1994 و2004 و2014 و2024، مع تقدير السنوات الفاصلة وما قبل 1994 بطريقة حسابية.
يوفر هذا الاختيار سلسلة طويلة ومتجانسة، لكنه لا يساوي رصدا تفصيليا لكل نقطة داخل الإقليم. والحسيمة مجال تتفاوت فيه الظروف بين الساحل والمناطق الجبلية، كما تشير الدراسة نفسها إلى التباين المكاني والسنوي للتساقطات.
بناء عليه، لا يمكن للمؤشر الإقليمي وحده تحديد الدوار الأكثر تعرضا للخصاص، أو قياس انتظام الخدمة في حي معين، أو معرفة الأسر التي تتحمل كلفة إضافية للحصول على الماء.
وهذا يفتح بابا ضروريا للتحقيق الميداني: أين تتجمع الهشاشة؟ هل تصل التدخلات إلى المناطق الأعلى خطرا؟ وهل تُبنى الأولويات على احتياجات موثقة، أم على الاستجابة المتأخرة للشكاوى؟
هل أثبتت الدراسة تفاقما متواصلا؟
النتيجة أكثر دقة من القول إن الوضع تدهور بالوتيرة نفسها كل سنة. فالانحدار الخطي أظهر ميلا صاعدا لم يبلغ مستوى الدلالة الإحصائية المعتمد، بينما كشف اختبار مان–كيندال واختباره المعدل اتجاها تصاعديا ذا دلالة إحصائية.
هذا الاختلاف لا يلغي الإنذار، لكنه يمنع الصياغة القطعية المبسطة. ما تدعمه الدراسة هو ضغط مزمن ومتقلب، مع مؤشرات إحصائية على تزايده، لا خط مستقيم من التدهور المتواصل.
كما أن تقارب ترتيب السنوات بين TOPSIS وPROMETHEE يعزز اتساق النتائج، لكنه ليس دليلا مستقلا تماما؛ فالطريقتان استعملتا المتغيرات والأوزان نفسها. وأظهرت اختبارات الحساسية بقاء النمط الزمني العام رغم تعديل الأوزان ضمن السيناريوهات المختبرة.
ما الذي يجب أن تضعه المؤسسات أمام الرأي العام؟
إذا كان المناخ خارج سلطة الإدارة المباشرة، فإن قياس المخاطر والاستعداد لها وتفسير نتائج التدخلات ليست خارج المساءلة.
وتفرض الدراسة أجندة واضحة للشفافية، تبدأ بنشر ميزان مائي محلي مفهوم، وتفصيل الاستهلاك بحسب القطاعات والمجالات، وإتاحة مؤشرات مردودية الشبكات، وربط البرامج المنجزة بأثر قابل للقياس في أمن التزويد.
كما تفرض الإجابة عن سؤال التخزين: ما الذي أُنجز لمواجهة تعاقب الفترات الجافة؟ وما الطاقة القابلة للاستعمال فعليا؟ وكيف تُقاس جدوى التجهيزات، لا بمجرد افتتاحها، بل بقدرتها على تقليص الخطر؟
هذه الأسئلة لا تثبت وجود هدر أو سوء توزيع في موقع محدد. إنها تحدد الوثائق والمعطيات التي يلزم نشرها حتى يمكن إثبات الخلل أو نفيه، وتقييم الأداء بعيدا عن التطمين العام والاتهام العام معا.
لا يجوز أن يصبح المناخ ستارا
تثبت الدراسة أن الحسيمة تواجه إجهادا مائيا طويل الأمد تقوده بقوة تقلبات التساقطات والجريان، وتزيده الحرارة والتبخر حدة. ولا تثبت، بمفردها، أن سوء التدبير هو السبب الرئيسي، أو أن مؤسسة معينة أخفقت في مشروع بعينه.
لكنها تسقط مبرر المفاجأة. فالمخاطر التي تكشفها سلسلة تمتد 45 سنة تستحق تخطيطا يمتد بدوره إلى ما وراء الموسم المقبل.
ليس المطلوب من المؤسسات أن تصنع المطر، بل أن تبيّن كيف تدير ما يتوافر منه، وكيف تستعد لنقصه، وما النتائج التي حققتها بالأموال والتجهيزات الموضوعة رهن إشارتها.
هذا هو الامتحان الحقيقي بعد الدراسة: ألا تبقى المعرفة في المجلة العلمية، والتطمينات في البلاغات، والأسئلة بلا أرقام. فالمناخ يفسر جانبا أساسيا من الإجهاد، أما كفاءة مواجهته فتحتاج إلى حساب واضح أمام سكان الحسيمة.

في ظل كشف المعطيات العلمية عن عقود من الإجهاد المائي بالحسيمة، ما هو المدخل الأكثر إلحاحاً لتفادي تكرار أزمات العطش بالإقليم؟
💡 يأتي هذا الاستطلاع تزامناً مع نشر أبحاث رصينة تثبت أن الإجهاد المائي بالحسيمة ليس مجرد تقلبات مناخية عابرة بل أزمة تدبير ممتدة لعقود، مما يستوجب تحديد الأولويات المجتمعية لإنقاذ الأمن المائي للمنطقة.



















