إسقاط 22 ألف مذكرة بحث وإطلاق سراح 4 آلاف معتقل.. نهاية زمن سجن الفقراء بسبب الإكراه البدني

إسقاط 22 ألف مذكرة بحث وإطلاق سراح 4 آلاف معتقل.. نهاية زمن سجن الفقراء بسبب الإكراه البدني
حسيمة سيتيمنذ 5 دقائقآخر تحديث : منذ 5 دقائق
بقلم: ريان الورياغلي

الرباط — كشفت وزارة العدل عن معطيات رقمية غير مسبوقة تنهي حقبة مظلمة من تجريم العوز المالي وسلب الحرية الفردية بسبب التزامات مدنية بسيطة، بعدما أعلن الوزير عبد اللطيف وهبي، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، عن حصيلة عملية مراجعة شاملة لملفات الإكراه البدني أفضت إلى إلغاء 22 ألفاً و315 برقية بحث، وإلغاء تنفيذ عقوبة الحبس في حق 3991 شخصاً كانوا يقبعون خلف القضبان، ليصل إجمالي المستفيدين من هذه التدابير التصحيحية إلى قرابة 26 ألف شخص استعادوا حريتهم وأمنهم القانوني بعد سنوات من التضييق والملاحقة.

قرارات حاسمة تنهي مأساة تجريم الفقر وسلب الحرية

شكّل تطبيق مسطرة الإكراه البدني لسنوات طويلة سيفاً مسلطاً على رقاب الفئات الهشة والمواطنين البسطاء، حيث تحولت الديون المدنية والمبالغ الزهيدة إلى مدخل مباشر للاعتقال وسلب الحرية، في مشهد يتنافى جوهرياً مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يمنع صراحة سجن أي شخص لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي. وجاءت هذه المراجعة الميدانية لتعيد ضبط مسار العدالة وتفرمل ممارسات قضائية طالما انتُقدت حقوقياً من مختلف المنصات والفعاليات المدنية.

وتجسدت الفوضى السابقة في مفارقات صادمة رصدتها لجان المراقبة والتفتيش داخل المؤسسات السجنية، حيث أشار وزير العدل إلى واقعة بالغة الدلالة تكشف حجم الاختلال الذي مس تطبيق هذا الإجراء، بعد العثور على مواطن مغربي يقضي عقوبة سالبة للحرية بسبب دين هزيل لا يتجاوز ثمانين درهماً، وهو معطى يعكس بمرارة كيف أدى الجمود المسطري السابق إلى إهدار الكرامة الإنسانية واستنزاف الطاقات السجنية دون مبرر منطقي أو بعد إصلاحي حقيقي.

«من غير المقبول ولا المعقول أن يُسلب مواطن حريته ويُرمى في السجن من أجل مبلغ لا يتعدى 80 درهماً، أو أن نضع شخصاً تجاوز الستين من عمره خلف القضبان بسبب ديون مدنية في تعارض صريح مع الضمانات الدستورية والدولية لحقوق الإنسان.»

معايير جديدة تحظر ملاحقة المسنين والشباب والديون الهزيلة

تضمن التحول الجديد وضع شروط مانعة وصارمة لتطبيق مسطرة الإكراه البدني، بحيث تقرر بشكل قاطع منع اللجوء إلى هذه الآلية متى كان المبلغ المستحق يقل عن 8000 درهم، بهدف مراعاة الواقع الاجتماعي المأزوم للمدينين وقطع الطريق أمام استغلال المساطر الجبرية في قضايا مالية محدودة الأثر، مما يمنع تحويل النيابات العامة ومراكز الدرك والأمن إلى أجهزة تحصيل ديون لصالح جهات دائنة على حساب حرية المواطنين.

وامتدت المراجعة التشريعية والإجرائية لتشمل السن القانونية للملزمين، حيث رُفعت عتبة المنع لتشمل حظر حبس الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة، بعد أن كان القانون يتيح إخضاع من بلغوا الثامنة عشرة لهذه العقوبة الجسدية، كما تم إقرار استثناء قطعي يمنع حبس الأشخاص الذين تجاوزوا سن 60 سنة، وهو ما تدارك اختلالات فادحة كانت تدفع بالمسنين والكهول إلى مخافر الشرطة وقاعات المحاكم دون مراعاة لظروفهم الصحية ووضعياتهم الاجتماعية والإنسانية الهشة.

وأسهمت عملية التدقيق في السجلات الوطنية في كشف آلاف الحالات التي استمرت فيها مذكرات البحث سارية المفعول رغم فقدانها السند الواقعي، حيث كان العديد من المواطنين يتعرضون للتوقيف في السدود القضائية ويحالون على الحراسة النظرية ثم النيابات العامة، قبل أن يُكتشف تجاوزه سن الستين، ليُفرج عنهم بعد تكبدهم عناء الإهانة والاحتجاز غير المبرر، ما استوجب تطهير القوائم الأمنية بشكل فوري وحاسم.

منصة رقمية لإنهاء كوابيس الموانئ والسدود الأمنية

وعلى المستوى الإجرائي والميداني، أطلقت وزارة العدل منصة إلكترونية مشتركة ومربوطة مباشرة بقواعد بيانات المديرية العامة للأمن الوطني وإدارة الدرك الملكي، لتجاوز المعضلة الكبرى التي كان يعاني منها الملايين من المواطنين، ولا سيما أبناء المناطق الشمالية والريف ومغاربة العالم، ممن كانوا يفاجأون بوجود برقيات بحث مسجلة ضدهم أثناء عبور الموانئ والمطارات أو عند التقدم لاستخراج وثائق إدارية روتينية كالبطاقة الوطنية أو جواز السفر.

وأنهت المنصة المستحدثة المسطرة البيروقراطية المعقدة التي كانت تتطلب التنقل بين المحاكم والنيابات العامة، حيث بات بإمكان المصالح الأمنية عند السدود القضائية والمنافذ الحدودية الاطلاع الآني على الملف، وتحديد المبلغ المستحق، وتمكين المعني بالأمر من أدائه فوراً لدى مصالح الشرطة أو الدرك أو الجمارك دون توقيفه أو تعطيل سفره، مما يضع حداً لمظاهر الترويع والتعطيل التي طالت عائلات بأكملها جراء مساطر معلقة منذ سنوات طويلة.

ويمثل هذا المسار التصحيحي خطوة متقدمة في سياق تنقية المنظومة الجنائية من رواسب المعاملات القديمة التي تغلب الهاجس الزجري على الاعتبارات الحقوقية، في انتظار توسيع دائرة الإصلاح لتشمل إلغاء الإكراه البدني نهائياً في سائر النزاعات التعاقدية والمدنية انسجاماً مع التزامات المغرب الدولية، وضمان ألا تظل الحرية الفردية رهينة لتقلبات العوز والفاقة.

المصدر مجلس المستشارين / متابعات
رابط مختصر

من هنا يبدأ الخبر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق