العرائش — اصطدمت الدورة العادية لشهر أكتوبر للغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، والمنعقدة بمدينة العرائش، بحائط مسدود انتهى بتعطيل أشغالها وفشلها في الانعقاد، إثر مقاطعة جماعية منسقة خاضها 12 عضواً يمثلون ملحقة إقليم الحسيمة، مما أسقط النصاب القانوني المنصوص عليه لتأكيد شرعية المداولات وصحة القرارات المؤسساتية.
وتحولت قاعة الاجتماعات بالعرائش إلى ساحة لرسالة سياسية واحتجاجية بالغة الدلالة، تعكس حجم الاحتقان المتراكم داخل النسيج المهني والاقتصادي لإقليم الحسيمة، في ظل ما يعتبره منتخبو المنطقة ومهنيوها سياسة إقصاء وتراجعاً غير مبرر عن الالتزامات المالية والتنموية المبرمجة لفائدة الإقليم، وهو ما جعل المقاطعة خياراً اضطرارياً لكسر جدار الصمت المؤسساتي.
شلل مؤسساتي ورسالة احتجاجية حازمة
وانطلقت كواليس هذا الموقف الموحد في الساعات الأولى التي سبقت موعد الجلسة، بعدما أجمع ممثلو إقليم الحسيمة على توجيه صفعة تنظيمية للمكتب المسير للغرفة الجهوية، احتجاجاً على استمرار الجمود الذي يلف ملفات حارقة تمس مباشرة واقع التاجر، الصانع، والمقاول الشاب داخل رقعة الريف.
ولم تكن هذه الخطوة وليدة لحظة عابرة أو حسابات ضيقة، بل جاءت ترجمة لصوت المتضررين من غياب العدالة المجالية في توزيع برامج الغرفة واعتماداتها الاستثمارية، حيث عبّر الأعضاء المقاطعون عن رفضهم التام للعب دور المتفرج أو التصويت الشكلي على مقررات تكرس التفاوت الصارخ بين أقاليم الجهة.
«إن الحضور والتصويت في ظل استمرار تجميد مشاريع الحسيمة وتجريدها من اعتماداتها الحيوية يعد تزكية غير مقبولة لسياسة الإهمال؛ المقاطعة وسيلة دستورية وقانونية لإعادة البوصلة إلى مسارها العادل والتنبيه إلى خطورة هذا المسار التمييزي.»
حاضنات المقاولات: بنيات معطلة ومشاريع على الورق
وتصدرت فضيحة تعثر مشروع حاضنة المقاولات بمدينة الحسيمة واجهة المبررات الدافعة لقرار نسف الدورة، حيث لا يزال هذا الصرح الاقتصادي مغلقاً في وجه الكفاءات الشابة لأكثر من خمس سنوات، رغم استكمال جميع أشغال البناء والتجهيز بالكامل، دون تقديم أي توضيحات رسمية تبرر إبقائه هيكلاً بلا روح.
وازدادت حدة الغضب المهني مع استحضار المصير المجهول الذي لاحق مشروع حاضنة المقاولات بمدينة إمزورن، والذي لا يزال مجرد حبر على أوراق المخططات منذ سنوات، حارماً النسيج الاقتصادي المحلي من بيئة حاضنة توفر التأطير والمواكبة والتمويل الذاتي للشباب الراغبين في ولوج عالم المقاولة وإنشاء مشاريع مدرة للدخل.
وفي مقابل هذه المعاناة، يرى فاعلون اقتصاديون بالمنطقة أن حرمان شباب الحسيمة وإمزورن من هذه الفضاءات الحيوية يعكس فجوة عميقة بين الشعارات المرفوعة حول تشجيع الاستثمار ومحاربة البطالة، وبين الواقع الميداني الذي يترجم تعطيلاً ممنهجاً للبنيات التحتية الجاهزة للاستغلال.
نزيف الميزانيات وتفاقم أزمة المرافق الاقتصادية
وتصاعدت مشاعر الاستياء لدى أعضاء ملحقة الحسيمة عقب الكشف عن المعطيات المالية المتعلقة بميزانية سنة 2027، والتي جردت مشروع تأهيل قاعة الندوات بالحسيمة من أي اعتمادات مالية، متجاهلة الوضعية المتردية التي آلت إليها تجهيزاتها، وهو ما يجعلها عاجزة تماماً عن احتضان التظاهرات الاقتصادية والملتقيات المهنية اللائقة بالإقليم.
ولم يتوقف هذا التراجع المالي الصادم عند حدود القاعة، بل امتد ليعصف بمشروع المركز متعدد الخدمات بالإقليم، بعدما أقدمت رئاسة الغرفة على تقليص ميزانيته الإجمالية بشكل حاد، حيث هوت الاعتمادات من أربعة ملايين درهم إلى نحو 600 ألف درهم فقط، في قرار شكل صدمة كبرى للفاعلين المحليين لما يحمله من تقزيم للمرفق وإفراغه من جدواه التشغيلية والخدماتية.
وتضع هذه التراجعات المالية علامات استفهام مقلقة حول معايير إعادة ترتيب الأولويات لدى مدبري شأن الغرفة الجهوية، في وقت كان ينتظر فيه الإقليم دفعة استثمارية نوعية تسهم في إنعاش الرواج التجاري الخانق الذي تعيشه مدن ومراكز الإقليم منذ فترات طويلة.
مآلات الأزمة والمطالب الملحة لإنصاف الإقليم
وباتت رئاسة الغرفة الجهوية للتجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة مطالبة بتقديم إجابات واضحة وصريحة تنهي حالة الضبابية، وتحدد أجندة زمنية ملزمة لتشغيل حاضنة مقاولات الحسيمة، وتفعيل نظيرتها بإمزورن، وإعادة الاعتمادات المالية الكاملة للمركز متعدد الخدمات وقاعة الندوات.
ويرتقب أن تشهد الأيام القادمة جولات تفاوضية مكثفة واجتماعات لتطويق تداعيات هذا البلوكاج التنظيمي قبل تحديد الموعد اللاحق للدورة، وسط تمسك صارم من ممثلي الحسيمة بجعل استئناف العمل المؤسساتي مشروطاً بالتزامات مادية ملموسة تعيد الاعتبار للإقليم وتضمن حقه المشروع في العدالة التنموية.



















