طنجة — وجّه الفاعل الجمعوي خالد سمو رسالة مفتوحة إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، تزامناً مع نيل فريقها الوزاري ثقة البرلمان، داعياً إياها إلى تدشين ولايتها الحكومية بقرار سياسي وإنساني تاريخي يضع حداً لسنوات من الترقب والألم داخل بيوت مئات الأسر المغربية، عبر المبادرة والترافع لطي ملف معتقلي حراك الريف، والنقيب السابق محمد زيان، ونشطاء الرأي من شباب الجيل الجديد.
وحملت الرسالة، التي التمس صاحبها نشرها عبر منبر «الحسيمة سيتي» لتكون صدى لأصوات مجتمعية واسعة، نبرة وجدانية عميقة تجاوزت حدود التهاني البروتوكولية المعتادة، لتضع الجهاز التنفيذي الجديد أمام اختبار الشجاعة الأخلاقية والمسؤولية الإنسانية. واعتبر سمو أن الثقة البرلمانية الممنوحة للحكومة تظل مجرد إجراء دستوري ما لم تقترن بفعل سياسي نوعي يلمسه المواطن في كرامته ويومياته، مشدداً على أن البداية الحقيقية لأي عهد إصلاحي تنطلق من جبر خواطر أمهات لم تجف دموعهن وآباء شاخوا وهم ينتظرون معانقة أبنائهم وراء القضبان.
استعادة روح المصالحة وإنهاء محنة شباب الريف
وتوقفت الرسالة بتأثر بالغ عند الوضعية الإنسانية لأبناء الريف الذين يقبعون في المؤسسات السجنية لسنوات طويلة، حيث ذكّر الناشط الجمعوي بأن هؤلاء الشباب خرجوا في الأصل حاملين مطالب اجتماعية وتنموية مشروعة تمثلت في تشييد مستشفى وجامعة وتوفير فرص عمل تحفظ كرامتهم في مناطقهم. وجاء هذا التذكير ليؤكد أن الثمن الباهظ الذي دفعه هؤلاء الشباب وأسرهم قد استنفد غاياته، وأن المصلحة الوطنية العليا باتت تقتضي إنهاء هذا القوس واستعادتهم إلى أحضان مجتمعهم وذويهم.
وتناول الخطاب وجهاً آخر من وجوه الملف الحقوقي يتعلق بالنقيب الأسبق محمد زيان، حيث دعا سمو إلى استحضار قيم المروءة والمغفرة والتجاوز، مبرزاً أن المغرب بتاريخه العريق لا يليق به أن يرى رجلاً تجاوز عقده الثمانيني، تقلد سابقاً أرفع المسؤوليات النقابية والحكومية، يصارع المرض داخل الزنازين. وانطلقت الدعوة هنا من مبدأ راسخ يعتبر أن الرحمة تعلو دوماً على مساطر العدالة الصارمة، خاصة حين يرتبط الأمر بمسنين لا يمثل بقاؤهم رهن الاعتقال أي مكسب أمني أو سياسي للدولة.
احتواء الجيل الرقمي وحماية طاقات المستقبل
ولم تغفل الرسالة المفتوحة الجيل الصاعد الذي نشأ في الفضاء الرقمي، محذرة من مغبة التعامل بمنطق العقاب الجنائي الجاف مع تعبيرات شباب جيل «Z». وأوضح سمو أن هؤلاء الشباب لم يحملوا يوماً سلاحاً، وإنما رفعوا شاشات هواتفهم ليكتبوا تدوينة أو يرددوا شعاراً يطالب بتعليم عصري وصحة متقدمة وعدالة اجتماعية، معتبراً أن احتواء هذا الجيل وتوجيه حماسه يمثل السبيل الوحيد لبناء المستقبل، بينما تؤدي الملاحقة والتضييق إلى إطفاء جذوة الأمل في نفوسهم وإهدار طاقات وطنية لا تعوض.
«نعلم أن ملف العفو من اختصاص جلالة الملك، ونعلم أنكم لا تملكون عصا سحرية، لكنكم تملكون الكلمة والمبادرة والترافع، تملكون أن تضعوا هذا الملف على طاولة المجلس الحكومي كأول ملف سياسي، وأن ترفعوا ملتمس العفو الإنساني إلى جلالة الملك باسم الحكومة التي نالت ثقة الشعب.»
المبادرة السياسية ورهان الانفراج الوطني
واختتم الفاعل الجمعوي نداءه بالتأكيد على أن المغرب الراهن ليس بحاجة إلى تشييد مزيد من السجون أو تعميق القطيعة، بل يفتقر إلى جسور الثقة والمصالحة الشاملة. وشددت الرسالة على أن التاريخ لا يخلد الحكومات بحجم الطرق والمباني التي تشيدها فحسب، بل يذكرها أساساً بقدرتها على جبر قلوب المواطنين ورأب الصدوع المجتمعية، داعية رئيسة الحكومة إلى جعل هذه الولاية «ولاية الإفراج والانفراج»، وتوقيع شهادة فرح حقيقي تعيد الدفء إلى البيوت التي غاب عنها لسنوات طويلة.
















