أعطى ولي العهد الأمير الحسن، يوم السبت بجماعة إعزانن بإقليم الناظور، الانطلاقة الرسمية لعمليات أول محطة للحاويات بميناء الناظور غرب المتوسط، مدشناً بذلك مرحلة التشغيل الفعلي لمركب مينائي وصناعي استقطب استثمارات بقيمة 54 مليار درهم، في خطوة تضع السياسات العمومية أمام رهان تحويل البنيات التحتية الكبرى إلى واقع معيشي ملموس للمواطنين.
ويمثل الشروع في تشغيل المحطة الشرقية للحاويات، برصيف يمتد على 1.520 متراً وبعمق 18 متراً، تدشيناً لقطب بحري بطاقة استيعابية تتجه نحو 3.5 ملايين حاوية بحلول سنة 2030، وذلك عبر استثمار ناهز 5 مليارات درهم تديره شركة مرسى المغرب بشراكة مع الفاعل الدولي MSC. ويتكامل هذا المنجز مع المحطة الغربية المرتقبة في أبريل 2027 بطاقة 1.8 مليون حاوية، لترتفع القدرة الإجمالية للمركب إلى 5.3 ملايين حاوية، فضلاً عن محطات المحروقات والغاز المسال والبضائع المختلفة المزمع استكمالها تدريجياً.
من الأرقام اللوجستية إلى الاندماج الاقتصادي الإقليمي
لا تتوقف قيمة هذا المشروع عند حدوده الجغرافية الضيقة، بل ترتبط بقدرة القطاعات الحكومية والمؤسسات الوصية على تسريع مدخلات الاندماج الترابي، من خلال إنجاز المحور الطرقي السريع الرابط بجرسيف على مسافة 105 كيلومترات، والربط السككي مع مدينة سلوان بطول 49 كيلومتراً. ويبقى الهدف الجوهري من هذه الشبكات هو فك العزلة الاقتصادية عن المنطقة الشرقية، وتحويل المنصة الصناعية الممتدة على 700 هكتار إلى حاضنة حقيقية للإنتاج المحلي لا مجرد معبر ترانزيت دولي للبضائع.
وعلى الرغم من أهمية الرساميل المتدفقة وحجم المنشآت الهندسية، فإن نجاح المركب يقاس بمدى قدرة الفاعلين الاقتصاديين على تفادي سيناريو المشاريع المعزولة عن محيطها السكاني. فالمناطق المجاورة للميناء شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية واجتماعية دقيقة تتطلب خلق قيمة مضافة محلية تستوعب التطلعات المهنية للساكنة وتدعم المقاولات الصغرى والمتوسطة في سلاسل الإمداد والتوريد.
مسؤولية الوفاء بوعود التشغيل والتأهيل المهني
يشكل الالتزام بإحداث 34 ألف منصب شغل، منها 14 ألف وظيفة مباشرة و20 ألف غير مباشرة، حجر الزاوية في التعاقد المجتمعي غير المعلن لهذا المشروع الاستراتيجي. وتجد المؤسسات التنفيذية نفسها، في هذا السياق، ملزمة بترجمة التوجيهات الرسمية الرامية إلى تأهيل الرأسمال البشري إلى برامج تكوين مهني استباقية ومطابقة لاحتياجات المهن البحرية واللوجستية والصناعية الصاعدة، حتى لا تصبح فرص العمل حكراً على كفاءات مستقدمة من خارج الإقليم.
إن قياس الأثر التنموي لميناء الناظور غرب المتوسط يظل مرتبطاً بمدى نجاح تدبير المرحلة التشغيلية وتحقيق العدالة المجالية؛ فالرهان لا ينحصر في مضاعفة أرقام الملاحة البحرية، بل في تحسين المؤشرات الحياتية للمواطن البسيط، مما يفرض على القطاعات الوزارية والمنتخبين مضاعفة اليقظة والمساءلة لضمان عائد اجتماعي واقتصادي عادل يوازي كلفة هذا الاستثمار العمومي الاستثنائي.



















