عشر سنوات على وفاة محسن فكري: غاب بائع السمك وبقي سؤال الكرامة

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
عشر سنوات على وفاة محسن فكري: غاب بائع السمك وبقي سؤال الكرامة
بقلم: أنوار الإدريسي

الحسيمة – حسيمة سيتي

عشية حلول الذكرى العاشرة لوفاة محسن فكري، تستعيد الحسيمة مساءً لم يغادر ذاكرتها: شاب في الحادية والثلاثين، يحاول إنقاذ بضاعته من الإتلاف، فيفقد حياته داخل شاحنة نفايات. في 28 أكتوبر 2016، انتهت حياة بائع السمك، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الريف؛ مرحلة خرج فيها الغضب من واقعة مأساوية إلى احتجاج اجتماعي واسع، صار اسمه حراك الريف.

لم يكن محسن فكري زعيما سياسيا، ولم يكن يبحث عن موقع في الواجهة. لكن الطريقة التي مات بها جعلت اسمه يتجاوز سيرته الفردية، ليصبح عنوانا لسؤال الكرامة: كيف يمكن أن ينتهي نزاع حول بضاعة إلى موت إنسان بهذه القسوة؟

مساء غيّر الحسيمة

تعود الواقعة إلى مصادرة كمية من سمك أبو سيف كان فكري قد اشتراها من ميناء الحسيمة، في فترة حظر صيده وتسويقه، بحسب ما نقلته وكالة رويترز عن السلطات والتقارير المحلية آنذاك. وعندما وُضعت الأسماك في شاحنة نفايات لإتلافها، صعد إليها محاولا منع العملية واسترجاع بضاعته، قبل أن يعلق في آلية الضغط ويلقى مصرعه.

كانت تلك الوقائع كافية لإطلاق موجة من الحزن والغضب، امتدت من الحسيمة إلى مدن مغربية أخرى. لم ير المحتجون في ما جرى مجرد خلاف حول تطبيق إجراء إداري، بل مأساة تستدعي المساءلة عن طريقة تعامل السلطة مع المواطن، وحدود استعمالها لصلاحياتها، والضمانات التي تحمي الإنسان عندما يجد نفسه في مواجهة قرار يمس مصدر رزقه.

ومن الضروري، عند استعادة الواقعة، الفصل بين ما ثبت وما جرى تداوله في أجواء الصدمة. فقوة قضية محسن فكري لا تحتاج إلى تفاصيل غير موثقة، ولا إلى تحويل الروايات المتداولة إلى حقائق قضائية. ما ثبت في أصل المأساة يكفي وحده لطرح الأسئلة الثقيلة.

من الحداد إلى حراك اجتماعي

لم تبق الاحتجاجات محصورة في المطالبة بكشف ملابسات الوفاة. تحولت، خلال الأشهر التالية، إلى حركة ترفع مطالب اجتماعية وتنموية، وتعيد إلى الواجهة علاقة الريف بمؤسسات الدولة. وتناولت التغطيات المعاصرة للحراك مطالب تتعلق بالشغل والصحة والتعليم ومواجهة التهميش، في منطقة حملت احتجاجاتها إحساسا متراكما بعدم الإنصاف.

كان موت فكري الشرارة، لكنه لا يفسر وحده اتساع الاحتجاج واستمراره. فالشرارة لا تصنع كل هذا الغضب ما لم تجد أسبابا قائمة. ولهذا أصبحت صورته حاضرة في احتجاجات تتجاوز المطالبة بالعدالة له إلى المطالبة بشروط حياة أكثر عدلا للجميع.

وهنا تكمن دلالة الحراك: انتقال الناس من التعاطف مع ضحية إلى مساءلة الظروف التي جعلت مأساته ممكنة. لم يعد السؤال فقط: كيف مات محسن؟ بل أيضا: كيف يعيش من بقي بعده؟

ماذا قال القضاء؟

على المستوى القضائي، أعلنت السلطات في نونبر 2016 متابعة 11 شخصا على خلفية الوفاة. وفي أبريل 2017، صدرت أحكام بالسجن تراوحت بين خمسة وثمانية أشهر في حق سبعة أشخاص، فيما بُرّئ أربعة آخرون، بحسب ما نقلته فرانس 24 عن النيابة العامة. وشملت الإدانات القتل غير العمد، وكان بين المدانين مسؤولون مرتبطون بقطاع الصيد ووزارة الداخلية.

هذا المسار مهم لفهم الملف، لكنه لا يختزل آثاره. فالحكم القضائي يحدد مسؤوليات في وقائع معينة، بينما تبقى على المؤسسات مسؤولية أوسع: ماذا تغيّر بعد المأساة؟ وما الذي يمنع تكرارها؟ وكيف يُضمن تطبيق القانون من دون تعريض حياة الناس للخطر أو الانتقاص من كرامتهم؟

لا يكفي أن تنتهي المحاكمة حتى ينتهي السؤال العام. فالمحاسبة ليست عقوبة فحسب؛ قيمتها أيضا في الإصلاح الذي يأتي بعدها.

الذاكرة التي لا تغلقها السنوات

بعد عشر سنوات، لا تُقاس مكانة محسن فكري بعدد الصور التي يعاد نشرها في ذكرى وفاته. تُقاس بقدرة المجتمع على إبقاء الأسئلة التي أثارها حية، وباستعداد المؤسسات للإجابة عنها خارج لغة التطمين والوعود.

واستمرار إحياء ذكرى الحراك، داخل المغرب وخارجه، يكشف أن أثر الواقعة لم ينحصر في زمنها. ففي أكتوبر 2026، تناولت تغطية محلية هولندية إحياء مرور عشر سنوات على الحراك في أوتريخت، مستعيدة وفاة فكري بوصفها الحدث الذي أطلق الحركة الاحتجاجية.

لكن الذاكرة قد تفقد معناها إذا تحولت إلى طقس منفصل عن الواقع. لا يكفي رثاء محسن كل أكتوبر، ثم ترك العلاقة بين المواطن والإدارة على حالها. ولا يكفي الاحتفاء بكرامة الإنسان في الخطاب، من دون جعلها معيارا في القرار والممارسة والمساءلة.

أسئلة الذكرى العاشرة

تفرض هذه المناسبة أسئلة تتجاوز استعادة تفاصيل ذلك المساء:

هل أصبحت سلامة المواطن وكرامته أولوية فعلية عند تنفيذ القرارات الإدارية؟ وهل تملك الأسر المتضررة طريقا واضحا ومنصفا إلى المعلومة والعدالة؟ وهل يجري التعامل مع الاحتجاج باعتباره تنبيها إلى اختلال يستوجب الإصلاح، أم إزعاجا يُراد إنهاؤه؟

ثم ماذا تحقق من المطالب الاجتماعية التي حملها الحراك؟ وأين يمكن للمواطن أن يجد حصيلة واضحة تقارن بين الوعود والنتائج، لا بين الخطابات المتعاقبة؟

هذه ليست أسئلة للمواجهة من أجل المواجهة. إنها أسئلة المساءلة التي تمنح الذكرى قيمة عامة، وتمنع اختزال محسن فكري في صورة حزينة تُستدعى مرة كل سنة.

العدالة التي تمنع تكرار المأساة

لا تعني استعادة اسم محسن فكري رفض القانون أو الاعتراض على تنظيم الصيد والتجارة. تعني أن تطبيق القانون لا ينفصل عن حماية الحياة، وأن المخالفة، أيا كانت، لا تُسقط حق صاحبها في السلامة والمعاملة الكريمة.

هذا هو الدرس الذي ينبغي ألا يضيع وسط السجالات: الدولة مطالبة بإنفاذ القانون، لكنها مطالبة أيضا بأن تحمي الإنسان أثناء إنفاذه. ولا تتعارض هيبة المؤسسات مع المساءلة؛ بل تقوى حين يعرف المواطن أن الخطأ يُكشف، وأن المسؤولية تُحدد، وأن الإصلاح لا يتوقف عند انتهاء التغطية الإعلامية.

في 28 أكتوبر، تكمل الحسيمة عشر سنوات على خسارة محسن فكري. عشر سنوات لا تعيده إلى أسرته، ولا تمحو قسوة رحيله، لكنها تمنح الجميع فرصة للسؤال عما تعلموه من موته.

فالوفاء الحقيقي لمحسن ليس في إبقاء صورته حاضرة وحدها، بل في بناء واقع لا يحتاج فيه مواطن آخر إلى المخاطرة بحياته دفاعا عن مصدر رزقه. عندها فقط، تصبح الذكرى أكثر من حزن متجدد، وتصبح الكرامة حقا يُعاش، لا شعارا يُرفع.

المصدر وكالات ومصادر محلية
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق