من رداء الهندسة بالمغرب إلى سدة الذكاء الاصطناعي بكندا: البروفيسورة لبنى بنعبو تتوّج بـ دائرة التميز

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
من رداء الهندسة بالمغرب إلى سدة الذكاء الاصطناعي بكندا: البروفيسورة لبنى بنعبو تتوّج بـ دائرة التميز
بقلم: عبد السلام العمراني

حين تلتقي الصرامة الرياضية بالقدرة على اتخاذ قرارات ميدانية في خضم الأزمات، تتبدى القيمة الحقيقية للبحث العلمي الرصين. في هذا الفضاء بالتحديد، وضعت الأستاذة والباحثة المغربية لبنى بنعبو بصمة علمية متفردة نالت على إثرها تقديراً جامعياً رفيعاً، بعد أن جرى تنصيبها رسمياً ضمن دائرة التميز (Cercle d’excellence) التابعة لشبكة جامعة كيبيك. هذا التتويج المؤسساتي لا يعد مجرد درع بروتوكولي يضاف إلى جدار، بل هو اعتراف كندي صريح بجدوى مسار بحثي زاوج بين تعقيد الخوارزميات وتحديات العالم الواقعي، لا سيما في إدارة سلاسل الإمداد التي تختبر صلابة الاقتصاد الحديث يومياً.

محطة التتويج والاعتراف المؤسساتي الرفيع

يمثل الانضمام إلى هذا الفضاء الأكاديمي الانتقائي محطة مفصلية في مسيرة الباحثين العاملين داخل المنظومة الجامعية بمقاطعة كيبيك. تُمنح هذه العضوية للأساتذة الذين تركوا أثراً ملموساً في محيطهم العلمي والاجتماعي، وهو ما تحقق لبنعبو، الأستاذة بقطاع علوم الإدارة في جامعة كيبيك في ريموسكي (حرم ليفيس الجامعي). وقد جاء هذا الاختيار نتاج تراكم سنوات من العمل الدؤوب على ربط الفصول النظرية بالمختبرات الميدانية.

أفرز هذا التكريم صدى واسعاً في الأوساط الأكاديمية والمهنية داخل كندا وخارجها، بوصفه تقديراً لنموذج علمي مغربي استطاع أن يقود مشاريع بحثية استراتيجية. وقد عكست مسيرتها قدرة واضحة على توظيف الرياضيات التطبيقية والمعلوميات المتقدمة في تفكيك معضلات لوجستية بالغة التعقيد، مما جعل مساهمتها البحثية تحظى باحترام المؤسسات الجامعية الكندية والمراكز المتخصصة في بحوث العمليات ودعم القرار.

إدارة التدفقات المعقدة: الذكاء الاصطناعي في خدمة الميدان

تتولى البروفيسورة لبنى بنعبو إدارة كرسي أبحاث جامعي مخصص لتطوير سلاسل الإمداد الرقمية، المرنة، الرشيقة والمستدامة، بالشراكة مع بلدية مدينة ليفيس الكندية. ينطلق عمل هذا الكرسي من حقيقة أن الأسواق العالمية لم تعد تملك ترف التخمين في ظل التقلبات المناخية والجيوسياسية المتلاحقة. ومن هنا، تركزت مشاريعها على تطوير خوارزميات تعلم آلي ونماذج رياضية تستبق الأزمات بدل الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها.

لم تبق هذه الأبحاث أسيرة للأوراق العلمية والرفوف المغلقة، بل نزلت مباشرة إلى حيز التطبيق العملي لمعالجة مشاكل يومية تعاني منها المؤسسات والشركات. فقد ساهمت الأنظمة الذكية التي صممتها ونفذتها رفقة فريقها في تطوير آليات الاستجابة داخل مركز الاتصال البلدي لمدينة ليفيس، حيث تقلصت فترات الانتظار وارتفعت جودة خدمة السكان على نحو ملحوظ.

امتدت التطبيقات العملية لتشمل قطاعات صناعية حيوية؛ إذ طورت حلولاً تقنية تعتمد على الرؤية الحاسوبية لاكتشاف العيوب التصنيعية في ألواح الخشب الموجهة للبناء بشكل آلي ودقيق. وإلى جانب ذلك، قادت بنعبو بحوثاً تطبيقية لفائدة شركات النقل البحري، هدفت إلى تحسين مسارات الملاحة وتخفيض استهلاك الوقود، مما وفر كلفاً تشغيلية مباشرة وخفض البصمة الكربونية لحركة الشحن التجاري.

شجاعة التحول: كسر النمطية من القنيطرة إلى كيبيك

بدأت الحكاية في مدينة القنيطرة، حيث تشكلت الميول العلمية الأولى لبنعبو وسط بيئة تشجع على التحصيل الجاد. قادتها تلك الرغبة إلى الالتحاق بواحدة من أعرق قلاع التعليم الهندسي بالمغرب، لتتخرج سنة 1998 حاملة دبلوم مهندسة دولة في الهندسة الصناعية من المدرسة المحمدية للمهندسين بالعاصمة الرباط، وهي خطوة كانت كافية لضمان مسار وظيفي تقليدي مريح.

غير أن السمات اللافتة في سيرتها ارتبطت دائماً برفض الركون إلى الطمأنينة الوظيفية، والبحث المستمر عن التحديات غير المطروقة. خاضت التجربة الأولى في قلب القطاع المالي كمتداولة في بورصة القيم وإدارة المخاطر لصالح مجموعة بنكية دولية، حيث اختبرت سرعة تدفق السيولة وضغوط اتخاذ القرار اللحظي. وبعد محطة مهنية أخرى داخل الصندوق المغربي للتقاعد، أدركت أن شغفها الحقيقي يتجاوز الإدارة التنفيذية إلى إنتاج المعرفة العلمية ذاتها.

دفعها هذا الهاجس إلى اتخاذ قرار الهجرة نحو كندا مطلع الألفية، واضعة استقرارها الوظيفي السابق خلف ظهرها من أجل استئناف الدراسة العليا في جامعة لافال. هناك، نالت ماجستير إدارة الأعمال سنة 2003، قبل أن تتوج دراساتها العليا بالحصول على الدكتوراه سنة 2008 في علوم القرار والتعلم الآلي، مؤكدة قدرتها على إعادة ابتكار مسارها الشخصي والأكاديمي دون تردد.

معهد ميلا وبناء الجسور العابرة للقارات

لم يقتصر الحضور البحثي للأستاذة بنعبو على أسوار جامعتها، بل امتد ليشمل مراكز النخبة في أبحاث التكنولوجيا المتقدمة. تشغل عضوية بحثية في معهد ميلا (Mila) بمونتريال، وهو أحد أكبر التجمعات الأكاديمية العالمية المتخصصة في أبحاث الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق، فضلاً عن مساهمتها النشطة في مجموعة أبحاث القرار (GERAD)، وهي فضاءات تلتقي فيها النظريات بالصناعات المتقدمة.

يبرز نهجها التعليمي والتأطيري كعنصر حاسم في مسيرتها، حيث تُعرف بقدرتها العالية على نقل المعرفة لطلاب الدراسات العليا وإدماجهم في مشاريع ممولة تفتح أمامهم أبواب الشركات التكنولوجية الكبرى. هذا الحضور العلمي القوي في أمريكا الشمالية لم يقطع صلتها بالمحيط الأكاديمي لبلدها الأصلي، إذ تؤكد في مناسبات عدة ضرورة خلق شراكات بحثية متقدمة تربط الجامعات المغربية بنظيراتها الكندية.

ترى بنعبو في الكفاءات الطلابية المغربية رافداً واعداً في مجالات البرمجة والعلوم الحاسوبية، مؤكدة أن تطوير المناهج التكوينية في الذكاء الاصطناعي يبدأ من السنوات الجامعية الأولى. وتعتبر أن الجسور بين ضفتي الأطلسي ليست ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة لتبادل الخبرات وتوطين التكنولوجيا القادرة على مواجهة تحديات الاستدامة العالمية.

ما وراء الخوارزميات: التكنولوجيا بوصفها إجابة واقعية

يتحول الذكاء الاصطناعي في كثير من النقاشات الرائجة إلى مفاهيم غامضة تثير التوجس أو تعد بوعود خيالية غير واقعية. غير أن مقاربة بنعبو الأكاديمية تنزع عن هذا الحقل طابعه الأسطوري، لتعيده إلى جذوره الأصلية كأداة هندسية واضحة المعالم، هدفها الأساسي دعم التدبير العقلاني ومساعدة البشر على اتخاذ قرارات أفضل في اللحظات الحرجة.

تُظهر قصة صعود لبنى بنعبو أن النجاح الأكاديمي خارج الحدود لا يتحقق بمجرد استنساخ المسارات الجاهزة، بل بالجرأة على تغيير التخصصات والقدرة على الانصات لاحتياجات الاقتصاد الحقيقي. ومع دخولها دائرة التميز الكندية، تكرس الباحثة نموذجاً علمياً رصيناً ينطلق من صرامة الهندسة المغربية، ليصل إلى قيادة أبحاث مستقبلية تجعل من سلاسل الإمداد العالمية أكثر مرونة واستجابة للأزمات الطارئة.

المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق