في سبتة، وقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام الكاميرات، انتقل إلى أرض الأزمة، اجتمع بالمسؤولين، أعلن تعبئة موارد الدولة، وتوقف عند مأساة المهاجرين الذين قضوا في البحر معربًا عن أسفه وتعازيه لأسرهم. وفي المغرب، حيث تنتمي غالبية هؤلاء الضحايا، ظل الغياب الرسمي الحكومي صارخًا، كأن الجثث التي لفظها البحر لا تخص هذا البلد، وكأن الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن ليس لهن الحق حتى في كلمة مواساة.
المفارقة ليست بروتوكولية، وليست مسألة صورة أو مؤتمر صحفي. إنها سؤال سياسي وأخلاقي فادح: كيف يصبح رئيس حكومة أجنبية أكثر حضورًا في مأساة أبناء المغرب من رئيس حكومة المغرب نفسه؟
71 وفاة: الرقم لا يروي كل شيء
تراكمت حصيلة الوفيات المسجلة في سواحل سبتة خلال سنة 2026 إلى 71 شخصًا، وفق معطيات صحفية، مع ضرورة التمييز بين الحصيلة السنوية الإجمالية وبين الوفيات المرتبطة تحديدًا بموجة العبور الأخيرة؛ فقد أكدت السلطات الإسبانية في مرحلة من الأزمة العثور على 41 جثة منذ بداية التدفق الأخير.
لكن وراء كل رقم إنسان: شاب خرج من بيته ولم يعد، قاصر صدّق أن البحر طريق إلى حياة أخرى، وأسرة تعيش بين الصدمة والانتظار والأسئلة بلا جواب. ولا يمكن لأي سلطة مسؤولة أن تتعامل مع هذه الخسائر كما لو كانت مجرد أثر جانبي لملف أمني أو خلاف حدودي.
سانشيز تحرك لخدمة بلده.. فأين من يخدم مواطنيه؟
صحيح أن سانشيز تحرك دفاعًا عن الرواية والمصلحة الإسبانيتين. فقد وصف التدفق بأنه “اعتداء” و”انتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا”، وأكد تسخير موارد الدولة لتعزيز الأمن وإعادة فرض “الوضع الطبيعي” في سبتة.
لكن هذا لا يلغي أنه حضر، تكلم، واجه الرأي العام، وأبدى الأسف على المأساة الإنسانية، بينما بقي الجانب المغربي الحكومي، حتى في حدود ما هو معلن ومتداول، عاجزًا عن خطاب إنساني واضح يليق بحجم الفاجعة.
لا يطالب أحد الحكومة المغربية بتبني خطاب مدريد أو التنازل عن موقف المغرب من سبتة. المطلوب أبسط وأشد إلحاحًا: أن تخاطب أسر الضحايا، أن تعلن الحداد المعنوي على الأقل، أن توضح ما حدث، وأن تقول للأمهات والآباء إن أبناءهم ليسوا أرقامًا تختفي في موجة الأخبار.
الغياب ليس حيادًا
حين يموت عشرات المغاربة على أبواب سبتة، ثم لا يظهر رئيس الحكومة ليتحدث عنهم، فإن الأمر لا يُفسر بالانشغال أو بالحذر. الصمت، في هذه اللحظة، موقف. وهو موقف يوحي بأن حياة المواطنين لا تستحق خطابًا رسميًا ما لم تكن جزءًا من احتفال أو إنجاز أو حملة تواصلية ناجحة.
كان يمكن لرئيس الحكومة المغربي أن يخرج في دقائق معدودة ليعلن تضامنه مع الأسر، وأن يكشف ما تعرفه الدولة عن المفقودين والضحايا، وأن يعلن تدابير عاجلة لحماية القاصرين ومحاسبة شبكات التضليل والتهريب. كان يمكنه أن يؤكد أن الدولة لا تتخلى عن أبنائها حتى حين يغامرون بالهجرة. لكن هذا لم يحدث.
والأشد قسوة أن الصمت يأتي بينما المأساة تكشف فشلًا أعمق: آلاف من الشباب والقاصرين لا يرون في البحر خطرًا يردعهم، بل يرونه احتمالًا أخيرًا للهرب من واقع خانق.
القاصر ليس “مهاجرًا” فقط
من الخطير أن يُختزل القاصر الذي يرتمي في الماء في صفة “مهاجر غير نظامي”. إنه طفل أولًا، والدولة ملزمة بحمايته قبل أن يصبح ملفًا في اتفاق إعادة أو رقمًا في إحصائية أمنية.
التقارير الإسبانية ربطت موجة العبور بإشاعات مضللة روّجت لها شبكات تهريب حول إمكان البقاء في سبتة بعد الوصول بحرًا، مستفيدة من تأويلات مرتبطة بحكم قضائي إسباني.
لكن الإشاعة وحدها لا تصنع موجة بشرية بهذا الحجم. ما يصنعها هو اليأس، والإقصاء، والانقطاع عن الدراسة، وغياب الأفق، ثم الفراغ الذي يترك القاصر فريسة للهاتف والمهرب والبحر.
هنا لا يمكن للحكومة أن تكتفي بتوقيع اتفاقات الإعادة مع إسبانيا. إعادة القاصر إلى المغرب لا تعني أنه صار آمنًا، ما لم تصاحبها خطة حقيقية: مواكبة أسرية، ودعم نفسي، وإدماج مدرسي أو مهني، ومساءلة للشبكات التي تستغل هشاشته.
من يعترف أولًا بالفشل؟
هذه ليست أزمة إسبانية فقط، وليست مشكلة حدودية عابرة، وليست “فتنة” صنعتها وسائل التواصل. إنها أزمة مغربية أيضًا، لأن من غرقوا مغاربة، ومن هربوا مغاربة، ومن ينتظرون جثثهم أو أخبارهم مغاربة.
إسبانيا تحركت لأنها رأت في سبتة أزمة تمس أمنها وسيادتها ومواطنيها. والمغرب مطالب بالتحرك لأنه يرى، أو ينبغي أن يرى، في الضحايا أبناءه.
الفرق بين الموقفين لا يكمن في من يملك سردية أقوى، بل في من يملك شجاعة الوقوف أمام الناس والقول: هناك مأساة، وهناك مسؤولية، وهناك واجب لا يمكن الهروب منه.
أسئلة لا يجيب عنها الصمت
بعد أكثر من 70 وفاة مسجلة في سواحل سبتة خلال السنة الجارية، لا بد من أجوبة رسمية واضحة:
- كم عدد الضحايا والمفقودين المغاربة في موجة العبور الأخيرة تحديدًا؟
- ماذا فعلت الحكومة لمواكبة أسرهم وتحديد هوياتهم وإعادة جثامينهم؟
- ما هي الإجراءات الفعلية لحماية القاصرين من شبكات التضليل والتهريب؟
- لماذا لا تُعلن خطة اجتماعية عاجلة في المناطق التي تحولت فيها الهجرة إلى حلم جماعي؟
- ولماذا يستطيع رئيس حكومة أجنبي أن يخصص وقتًا للحديث عن مأساة المغاربة، بينما حكومتهم لا تجد كلمة علنية واحدة تليق بحجم الفقد؟
الخلاصة
ليس مطلوبًا من الحكومة أن تحل في يوم واحد أزمة البطالة واليأس والهجرة. لكن مطلوب منها أن تكون حاضرة حين يموت مواطنون، وأن تتكلم حين تصمت أسرهم من الصدمة، وأن تعترف بأن البحر لم يبتلع أجسادًا فقط، بل فضح عجزًا سياسيًا واجتماعيًا لا يمكن الاستمرار في تجاهله.
حين يعبر رئيس حكومة أجنبي عن الأسف لضحايا مغاربة، فيما تقابلهم حكومتهم بالصمت، فإن الإهانة لا تكون في البحر وحده. إنها في ذلك الفراغ الرسمي الذي يقول للأسر، بلا كلمات: أنتم وحدكم في مواجهة الفقد.



















