يتصاعد الحديث العمومي في المغرب، من وقت لآخر، عن تطلع فئات واسعة من الرأي العام إلى تدخل ملكي مباشر وحاسم يضع حدًا للفساد ويحاسب من يعتبرهم الناس مسؤولين عنه، من سياسيين ووزراء وقضاة وعمال. لكن هذا التطلع الشعبي، وإن كان مفهومًا في سياق تراكم الإحباط من بطء محاربة الفساد، يحتاج إلى مواجهته بقراءة دقيقة لما يقوله الدستور فعليًا، بعيدًا عن التمني السياسي أو التبسيط المفرط.
فالنظام الدستوري المغربي، كما ينص عليه الفصل الأول من الدستور، يقوم على أساس فصل السلط وتوازنها وتعاونها، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهذا يعني أن أي حديث عن دور الملك في محاربة الفساد يجب أن يُقرأ داخل هذه البنية المؤسساتية، لا بمعزل عنها.
الملك بصفته الحكم الأسمى: الأساس الدستوري العام
ينص الفصل 42 من الدستور على أن الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها؛ يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات.
هذه الصفة الدستورية مهمة لفهم موقع الملك من ملف الفساد: فهو “ضامن” لحسن سير المؤسسات، لا مؤسسة تنفيذية بديلة عنها. والفصل نفسه يوضح أن الملك يمارس مهامه بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور، وأن هذه الظهائر تُوقّع بالعطف من قبل رئيس الحكومة، إلا في حالات محددة استثناها الدستور بالذكر (منها الفصول 41، و44 الفقرة الثانية، و47 الفقرتان الأولى والسادسة، و51، و57، و59، و130، و174). هذا التمييز بين الظهائر التي تحتاج توقيع رئيس الحكومة بالعطف وتلك التي لا تحتاجه، يكشف بدقة أين تكون يد الملك وحيدة في القرار، وأين تكون مقترنة بالحكومة.
صلاحيات الملك في العلاقة بالحكومة والوزراء
يحدد الفصل 47 آلية تشكيل الحكومة وإعفاء أعضائها بدقة متناهية. فالملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. أما إعفاء الوزراء، فللملك، بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوًا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. ولرئيس الحكومة نفسه أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، سواء بمبادرته أو بناءً على استقالتهم الفردية أو الجماعية.
هذا النص يستعمل مصطلح “الإعفاء” حصريًا، لا “الإقالة” التي لا وجود لها في الصياغة الدستورية. والفارق ليس شكليًا: فالإعفاء الملكي لوزير، وفق الفصل 47، مشروط باستشارة رئيس الحكومة، وليس قرارًا فرديًا منفصلًا عن هذا التفاعل المؤسساتي. أما رئيس الحكومة نفسه، فلا ينص الدستور على آلية “إعفاء” مباشر له من قبل الملك؛ إذ ما ينص عليه الفصل هو أن استقالة رئيس الحكومة هي التي يترتب عنها إعفاء الحكومة بكاملها من لدن الملك، وهو ما يعني أن استمرار رئيس الحكومة في منصبه مرتبط أساسًا بإرادته الخاصة في الاستقالة أو باستمرار الأغلبية البرلمانية التي أفرزته، لا بقرار ملكي منفرد يعفيه دون هذا الشرط.
عمليًا، هذا يعني أن الملك لا يملك، دستوريًا، سلطة إعفاء وزير بعينه بتهمة الفساد بمجرد الشبهة أو الرأي العام، من دون المرور عبر آلية الاستشارة المنصوص عليها؛ وأن إعفاء أي وزير يبقى إجراءً له سياقه السياسي والمؤسساتي، لا عزلًا تلقائيًا وفوريًا.
صلاحيات الملك في العلاقة بالقضاء
ينص الفصل 56 على أن الملك يرأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وينص الفصل 57 على أن الملك يوافق بظهير على تعيين القضاة من قبل هذا المجلس. الصياغة هنا دقيقة: التعيين يقترحه المجلس الأعلى للسلطة القضائية بصفته هيئة مستقلة، والملك يوافق عليه بظهير، لا أنه يعيّن القضاة بمبادرته الخاصة ومن دون هذا المسار المؤسساتي.
رئاسة الملك لهذا المجلس تُقرأ في سياق الفصل 42 الذي يجعله ضامنًا لاستقلال السلطة القضائية، لا فاعلًا مباشرًا في القرارات القضائية أو في متابعة قاضٍ بعينه. فمحاكمة أي قاضٍ يُشتبه في تورطه في الفساد تسير وفق مساطر تأديبية وقضائية يحددها القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا بقرار ملكي فردي مباشر يستهدف قاضيًا معينًا.
حق العفو وحدوده
يمارس الملك، بمقتضى الفصل 58، حق العفو. وهذا الحق، بطبيعته الدستورية، أداة لاحقة على المسار القضائي، لا أداة لمحاربة الفساد بمعناه الاستباقي أو التحقيقي؛ فهو يتعلق بتخفيف عقوبة صادرة عن القضاء أو إسقاطها، بعد أن يكون المسار القضائي قد استُكمل. وبالتالي فإن حق العفو لا يمكن اعتباره وسيلة “لمحاربة” الفساد بمعنى المتابعة والمساءلة، بل هو تصرف لاحق ومستقل عن آليات المحاسبة القضائية نفسها، ويخضع لتقدير سياسي ومؤسساتي منفصل.
حالة الاستثناء: الأداة الاستثنائية القصوى
ينص الفصل 59 على أنه إذا كانت حوزة التراب الوطني مهددة، أو وقع من الأحداث ما يعرقل السير العادي للمؤسسات الدستورية، أمكن للملك أن يعلن حالة الاستثناء بظهير، بعد استشارة رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس المستشارين، ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجيه خطاب إلى الأمة.
هذه الأداة الدستورية استثنائية بامتياز، ومرتبطة بتهديد وجودي لحوزة التراب أو لسير المؤسسات الدستورية بشكل خطير يعرقلها كليًا، وليست أداة عادية أو مباشرة لمحاربة الفساد الإداري أو السياسي في الظروف العادية. فالفصل نفسه يوضح أن الحريات والحقوق الأساسية تبقى مضمونة أثناء هذه الحالة، وأن البرلمان لا يُحل خلالها، وأن الحالة تُرفع بمجرد انتفاء الأسباب التي دعت إليها؛ وهذا يؤكد أنها آلية موجهة لمواجهة أزمات وجودية استثنائية، لا أداة تدبير يومي أو دوري لملف الفساد.
المؤسسات الرقابية المستقلة: أين يقف الملك منها؟
ينص الفصل 36 من الدستور صريحًا على أن القانون يعاقب على المخالفات المتعلقة بحالات تنازع المصالح، وعلى استغلال التسريبات المخلة بالتنافس النزيه، وكل مخالفة ذات طابع مالي، وعلى السلطات العمومية الوقاية من كل أشكال الانحراف المرتبطة بنشاط الإدارات والهيئات العمومية والزجر عنها. ويُحدث هذا الفصل، بالتحديد، هيئة وطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
هذه الهيئة، إلى جانب المجلس الأعلى للحسابات المكلف بمراقبة المالية العمومية، والقضاء المالي والجنائي، هي الآليات الدستورية والمؤسساتية المعنية أساسًا بمحاربة الفساد بمعناه الوقائي والزجري. ودور الملك هنا، بحسب الفصل 42، هو دور الضامن لحسن سير هذه المؤسسات، لا الفاعل المباشر أو التنفيذي داخلها؛ فهذه الهيئات تعمل، من حيث تكوينها ومهامها، في إطار استقلالية مؤسساتية يحميها الدستور، بمعزل عن أي تدخل تنفيذي مباشر، ملكيًا أو حكوميًا.
هل يمكن للملك، إن أراد، القضاء على الفساد؟
يملك الملك، بحكم موقعه الدستوري، أدوات تأثير مهمة يمكن أن تُستخدم كرافعة قوية في اتجاه محاربة الفساد: صلاحية التعيين في وظائف مدنية استراتيجية كوالي بنك المغرب والسفراء والولاة والعمال والمسؤولين عن الإدارات الأمنية والمؤسسات العمومية الاستراتيجية (بموجب الفصل 49، وباقتراح من رئيس الحكومة وبمبادرة من الوزير المعني)، وصلاحية الإعفاء المقيدة للوزراء بعد الاستشارة، ورئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية والمجلس الأعلى للأمن، إضافة إلى الخطب الملكية التي تحمل عادة توجيهات سياسية عامة ذات ثقل رمزي ومؤسساتي كبير في توجيه أجندة الحكومة والبرلمان.
لكن في المقابل، فإن “القضاء الكامل والنهائي” على الفساد، كظاهرة مجتمعية ومؤسساتية معقدة، ليس صلاحية دستورية فردية بيد أي فاعل واحد، بما فيه الملك. فالفساد، كما يعرّفه الدستور نفسه في الفصل 36، يتضمن أشكالًا متعددة: تنازع المصالح، استغلال التسريبات، الشطط في استغلال مواقع النفوذ، ممارسات مخالفة لمبادئ المنافسة الحرة؛ وهذه الظواهر تتطلب استقلالية قضائية فعلية، ونزاهة إدارية، ورقابة برلمانية فعالة، ونزاهة العملية الانتخابية نفسها كما يضمنها الفصل 11 الذي يلزم السلطات العمومية بالحياد التام إزاء المترشحين، إلى جانب أخلاقيات الفاعلين السياسيين والاقتصاديين أنفسهم.
الخلاصة التحليلية الدقيقة هي أن الملك يملك هامش تأثير دستوريًا مهمًا في توجيه المسار العام، وفي المساهمة بمحاسبة بعض الفاعلين ضمن الأطر المذكورة أعلاه، لكن “القضاء الكامل” على الفساد كظاهرة شاملة يتجاوز إمكانية أي قرار فردي واحد، ويتطلب تفعيل السلسلة المؤسساتية بأكملها في نفس الوقت: القضاء المستقل، والهيئة الوطنية للنزاهة، والمجلس الأعلى للحسابات، والرقابة البرلمانية الفعلية، والمنافسة الحزبية النزيهة، وأخلاقيات الإدارة والمال والأعمال.
خاتمة: بين الصلاحية الدستورية والأداة السياسية الفعلية
يكشف هذا الاستعراض للفصول الدستورية ذات الصلة أن هناك فارقًا جوهريًا بين “الصلاحية الدستورية” المنصوص عليها بدقة، و”الأداة السياسية الفعلية” التي يمكن أن تنتج عن توجيه ملكي عام أو خطاب استراتيجي. فالدستور يمنح الملك موقعًا مركزيًا كضامن لحسن سير المؤسسات، لكنه في الوقت نفسه يوزع مهمة محاربة الفساد على عدة فاعلين مؤسساتيين مستقلين، كل واحد منهم يتحمل جزءًا من هذه المسؤولية ضمن مجال اختصاصه.
وبذلك، فإن محاربة الفساد في النظام الدستوري المغربي تبقى مسؤولية مشتركة بين مؤسسات متعددة، يضمن الملك حسن سيرها بحكم موقعه الدستوري، لا فعلًا فرديًا حصريًا بيد أي جهة واحدة، بما فيها المؤسسة الملكية نفسها.














