بارومتر 2025: الغلاء والبطالة يتصدران هواجس المغاربة

حسيمة سيتيمنذ ساعتينآخر تحديث :
بارومتر 2025: الغلاء والبطالة يتصدران هواجس المغاربة
بقلم: محمد الريفي

في جولة عابرة بأسواق مدينة الحسيمة، يكفي أن تفتح حديثاً مع أي مواطن حول قفة اليوم حتى تلمس خيوط القلق التي تلف البيوت. لم يعد الحديث عن الأسعار مجرد شكوى عابرة، بل أصبح جزءاً من تفاصيل المعيشة اليومية التي ترهق كاهل الأسر. هذه الصورة المصغرة التي نعيشها يومياً، جاءت لتؤكدها لغة الأرقام في الدورة التاسعة للبارومتر العربي، الذي رسم ملامح واقع اقتصادي يضعه المغاربة في خانة التحديات الصعبة، بعيداً عن أي تجميل للواقع.

واقع الغلاء والأمن الغذائي في مرآة الأرقام

تشير نتائج الاستطلاع إلى أن الغالبية العظمى من المواطنين لا تنظر إلى الوضع الاقتصادي بعين التفاؤل، حيث يرى أكثر من نصف المغاربة أن وضعهم الاقتصادي سيء أو سيء جداً. هذا التشاؤم ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات أفرزتها موجة الغلاء المستمرة، حيث يعترف المغاربة بأن التضخم أصبح هو الخصم الأول لميزانيتهم، متبوعاً بالفقر وتدني الأجور وصعوبة الحصول على فرص شغل حقيقية. إنها أرقام تعكس واقعاً معاشاً، حيث لا تملك أكثر من 7% من الساكنة تقييماً إيجابياً قوياً لما تمر به البلاد مالياً.

الأكثر إثارة للقلق في هذه المعطيات هو انعدام الأمن الغذائي الذي يمس فئة واسعة من المواطنين. لقد كشف الاستطلاع أن أكثر من نصف المغاربة اضطروا خلال الشهر الماضي إلى تدبير شؤونهم الغذائية بحذر شديد، حيث ينفد الطعام في البيت أحياناً قبل أن تتوفر السيولة اللازمة للتسوق مجدداً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اضطر الكثيرون إلى تقليص عدد الوجبات أو الاكتفاء بأصناف قليلة ومحدودة بسبب نقص الموارد المتاحة، وهو ما يترجم ضغوطاً حقيقية على الموائد العائلية، خاصة في أوساط الشباب الذين أبدوا قلقاً أكبر بشأن توفير الغذاء اليومي.

الخدمات العمومية والفساد: تحديات هيكلية

بجانب الضغط الاقتصادي، يحتل ضعف الخدمات العمومية مركزاً متقدماً في قائمة الانشغالات الوطنية. فعلى الرغم من وجود مستويات مقبولة من الرضا تجاه التزويد بالكهرباء والماء، إلا أن قطاعي الصحة والتعليم لا يزالان يراوحان مكانهما تحت عتبة الرضا المطلوبة. الكثير من المواطنين يشعرون أن هذه الخدمات لا تلبي تطلعاتهم، وهو ما يفسر رغبة 45% منهم في العمل داخل القطاع العام، ليس حباً في الإدارة بحد ذاتها، بل بحثاً عن الأمان الوظيفي والراتب الذي قد يقي من تقلبات السوق الخاص، رغم اعتراف قطاع كبير بأن التوظيف لا يزال محكوماً بمحسوبية الواسطة.

ولا يمكن الحديث عن هذا المشهد دون التطرق إلى ملف الفساد الذي يعتبره 60% من المغاربة حاضراً وبقوة في مؤسسات الدولة. هذا الشعور لا يتوقف عند حدود الانطباع، بل يترجم حالة من عدم الثقة التي تتطلب إجراءات ملموسة لمكافحتها. وفي حين يعتقد حوالي نصف المواطنين أن الحكومة تقوم بجهود في هذا المجال، تظل الحاجة ماسة لخطوات إضافية تشعر المواطن بأن هناك تغييراً حقيقياً يمس حياته اليومية ومؤسساته التي يتعامل معها.

آفاق المستقبل وقلق التغيير

لا يخفي المغاربة قلقهم من المستقبل، حيث يرى ثلث المواطنين أن الأوضاع ستبقى على حالها خلال السنوات الثلاث القادمة، بينما يميل حوالي 27% إلى الاعتقاد بأن الأمور ستزداد تعقيداً. ورغم وجود فئة تراهن على التحسن، إلا أن مؤشرات التشاؤم تظل هي الغالبة في قراءة الواقع الاقتصادي. هذه النظرة المستقبلية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقدرة الحكومة على توجيه أولويات الإنفاق، حيث يجمع المغاربة على أن الرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية يجب أن تتصدرا قائمة الأولويات لضمان استقرار المعيشة.

شنو تعني لينا؟

هذه الأرقام في البارومتر ليست مجرد إحصائيات للمحللين، بل هي ترجمة لما يقع داخل كل بيت مغربي يعاني من غلاء الخضروات، المحروقات، والمواد الأساسية. يعني هذا أن المواطن يعيش ضغطاً حقيقياً في تدبير ميزانية الشهر، ويشعر أن القفة التي كانت تكفي يوماً ما، لم تعد تؤدي نفس الغرض اليوم. بالنسبة لنا، هذه النتائج هي جرس إنذار يطالب بضرورة التركيز على تحسين الدخل، وخلق فرص عمل بعيداً عن منطق الواسطة، والاستثمار الفعلي في قطاعات الصحة والتعليم التي تستهلك جزءاً كبيراً من ميزانيات الأسر الخاصة. إن تحسين وضعنا الاقتصادي لا يحتاج فقط إلى وعود، بل إلى خطوات ميدانية تخفف من عبء الفاتورة اليومية عن كاهل المواطن البسيط الذي يحاول الصمود أمام موجة الغلاء.

قلم: محمد الريفي | اقتصاد الشارع – حسيمة سيتي

المصدر البارومتر العربي
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق