المشاريع الكبرى في المغرب: استثمارات ضخمة وأسئلة حول المردود الاقتصادي

حسيمة سيتيمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
المشاريع الكبرى في المغرب: استثمارات ضخمة وأسئلة حول المردود الاقتصادي
بقلم: أنوار الإدريسي

تُقدَّم للرأي العام العديد من المبادرات باعتبارها «اختيارات استراتيجية» و«مشاريع كبرى»، تتصدر العناوين وتستحوذ على ميزانيات ضخمة من المال العام. من مشاريع الطاقات المتجددة كالطاقة الريحية والشمسية والهيدروجين الأخضر، إلى القطار الفائق السرعة (التيجيفي)، مروراً بسياسة «الأوف شورينغ» وما يرافقها من تجهيزات، وصولاً إلى بناء الملاعب وتنظيم كؤوس إفريقيا والمونديال ومحطات تحلية مياه البحر. كلها واجهات براقة لتحديث البلاد، لكن السؤال المحوري الذي نادراً ما يُطرح على طاولة النقاش الاقتصادي هو: ما هو المردود الحقيقي لهذه المشاريع على الاقتصاد الوطني والمواطن مقارنة بحجم الأموال والامتيازات المخصصة لها؟

المشاريع الكبرى في المغرب: الفجوة بين التمويل والأثر الحقيقي

المشكلة الأساسية، وفقاً للمعطيات الاقتصادية التي يعاينها هذا التحقيق، لا تكمن في التكنولوجيا المستعملة أو في البنية التحتية بحد ذاتها، إذ لا يختلف خبيران على أهمية تحديث مرافق الدولة. بل تكمن الإشكالية في النموذج الاقتصادي المعتمد، الذي يبدو أنه يعطي الأولوية لمشاريع الواجهة. وفي المقابل، تظل مساهمة هذه المشاريع المباشرة في خلق قيمة مضافة محلية حقيقية، ورفع مستوى الأجور، وتحسين المعيشة، وتطوير الصناعة الوطنية، محدودة جداً مقارنة بحجم الاستثمار العمومي الموجه إليها. وتشير الأرقام إلى أن نسبة كبيرة من ميزانيات هذه المشاريع تُنفق على استيراد التكنولوجيا والخبرات الأجنبية، مما يقلص من أثرها الإيجابي على الدورة الاقتصادية الداخلية.

الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر: بيئة استثمارية أم امتيازات موجهة؟

عند تفكيك بنية الاستثمار في قطاعات مثل الطاقة الريحية والشمسية، ومؤخراً الهيدروجين الأخضر، يُلاحظ نمط متكرر يثير الانتباه. تُنشأ في البداية شركات ومصالح اقتصادية حول قطاع معين، ثم تتدخل التشريعات والقوانين لتفصيل بيئة ضريبية ملائمة، تشمل الإعفاءات، وتوفير الوعاء العقاري بأثمنة رمزية، وتقديم الدعم المباشر أو غير المباشر. وبعد اكتمال هذه البنية التشريعية واللوجستية، يُقدم المشروع برمته للمجتمع تحت يافطة «مشروع استراتيجي سيادي». ويطرح هذا المسار تساؤلات جدية لدى المراقبين: هل يتم اختيار المشاريع انطلاقاً من دراسة دقيقة لحاجات الاقتصاد والمجتمع، أم أنه في بعض الحالات يتم بناء «الاستراتيجية» بأكملها لخدمة مشاريع ومصالح اقتصادية تم تحديدها أو حسمها مسبقاً؟

البنية التحتية والملاعب: كلفة الصيانة ورهان التنمية

بالانتقال إلى قطاعات أخرى كالنقل الفائق السرعة (التيجيفي) والتحضيرات لتنظيم كأس العالم 2030 وكأس أمم إفريقيا، تبرز إشكالية التكلفة مقابل العائد. تتطلب هذه الاستثمارات توجيه ملايير الدراهم لتشييد ملاعب ومحطات وفق معايير دولية صارمة. وبينما توفر هذه الأوراش فرص عمل مؤقتة خلال فترة الإنجاز، إلا أن كلفتها التشغيلية اللاحقة وصيانتها قد تشكل عبئاً على الميزانيات المحلية في غياب نماذج استغلال اقتصادي مستدامة. وتنسحب نفس المقاربة على سياسة «الأوف شورينغ»، التي وإن نجحت في توفير آلاف المناصب للشغل، إلا أنها غالباً ما تتركز في وظائف بمهارات متوسطة أو منخفضة، دون أن تنقل تكنولوجيا متطورة تمكن من تأسيس صناعة محلية مستقلة قادرة على المنافسة دولياً.

محطات التحلية: ضرورة بيئية أم استنزاف مالي؟

في ظل الإجهاد المائي، تبرز محطات تحلية مياه البحر كحل لا مفر منه. غير أن التحقيق في عقود التدبير والإنشاء يكشف أن كلفة إنتاج المتر المكعب تظل مرتفعة، وتتطلب دعماً حكومياً مستمراً للحفاظ على استقرار الأسعار للمستهلك النهائي. هذا الدعم يمثل ضغطاً إضافياً على المالية العامة، مما يستوجب إعادة النظر في العقود المبرمة لضمان نقل المعرفة وتمكين المهندسين والشركات الوطنية من التحكم التدريجي في هذه التكنولوجيا الحيوية بدلاً من الارتهان للشركات الأجنبية.

خاتمة وتوصيات: نحو استثمار منتج ومستدام

خلص هذا التحقيق الاستقصائي إلى أن الدولة لا تحتاج فقط إلى مشاريع ضخمة تصلح للصور والتدشينات الرسمية، بل هي في أمس الحاجة إلى استثمارات منتجة ترفع من القيمة المضافة الحقيقية. إن الانتقال إلى اقتصاد صلب يتطلب تبني سياسات تضمن نقل التكنولوجيا المتقدمة، وخلق وظائف مؤهلة بأجور جيدة، وتأسيس نسيج مقاولاتي محلي قادر على دمج هذه المشاريع في الاقتصاد الوطني. يُوصى بضرورة إشراك مؤسسات الحكامة والبرلمان في تقييم المردودية الاقتصادية القبلية والبعدية لأي مشروع يوصف بـ«الاستراتيجي»، مع فرض دفتر تحملات يُلزم الشركات الكبرى المستفيدة بنسب محددة من الاندماج المحلي وتدريب الكفاءات الوطنية. إن الرهان الحقيقي ليس في قدرة البلاد على بناء أضخم المنشآت، بل في قدرة هذه المنشآت على بناء مجتمع أكثر ازدهاراً واقتصاد أكثر مناعة.

المصادر والمراجع

  • تقارير مؤسسات الحكامة والمندوبية السامية للتخطيط حول أثر الاستثمارات العمومية.
  • تحليلات لخبراء اقتصاديين حول سياسات الطاقات المتجددة والأوف شورينغ.
  • تتبع مسارات الاستثمار والميزانيات المخصصة للبنية التحتية والملاعب الرياضية.
المصدر متابعات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق