اختلاف المسارين لا يثبت وحده ازدواجية المعايير، لكنه يفرض نقاشا حول مبررات سلب الحرية وحماية المبلغين عن الاختلالات
الحسيمة – حسيمة سيتي
محمد الفايد يواجه أربع تهم، بينها التحريض على الكراهية والتحريض على ارتكاب جناية، ويتابع في حالة سراح مع إغلاق الحدود في وجهه. وفي المقابل، دخل البروفيسور رشيد شرقاب المحكمة حرا، ثم غادرها معتقلا بعد حكم ابتدائي بسنة حبسا نافذا، في ملف يربطه المدافعون عنه بشكاياته بشأن اختلالات مستشفى ابن رشد. صورتان تعيدان طرح سؤال ثقيل: متى تكون المتابعة خارج السجن ممكنة، ولماذا يصبح الاعتقال فوريا في ملفات أخرى؟
السؤال مشروع، لكن الإجابة لا تبدأ بالمطالبة بسجن الفايد حتى تتساوى المعاملة. تبدأ بالدفاع عن معيار واحد: الحرية لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز في ملف واستثناء ضيق في آخر، كما أن خطورة عناوين الاتهام لا تعوض فحص الوقائع والأدلة ومبررات الاعتقال.
أربع تهم… ومتابعة في حالة سراح
قررت النيابة العامة لدى المحكمة الابتدائية الزجرية ببنسليمان، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، متابعة محمد الفايد في حالة سراح، مع إغلاق الحدود في وجهه، وتحديد 9 نونبر موعدا لأول جلسة. وتشمل التهم المنشورة التحريض على الكراهية، والإساءة إلى الدين الإسلامي، والقذف ضد المرأة بسبب جنسها، والتحريض على ارتكاب جناية.
هذه اتهامات جدية، لكنها تبقى اتهامات لم تقل المحكمة كلمتها فيها بعد. كما أن ورود عبارة «التحريض على ارتكاب جناية» لا يعني، بمفرده، أن المتابعة المعروضة على المحكمة جنائية؛ فالتكييف القانوني الدقيق لكل فعل والعقوبة المرتبطة به لا يستخلصان من عنوان صحفي.
ولا يجوز، في المقابل، تصوير متابعته في حالة سراح باعتبارها تبرئة أو إعفاء من المساءلة. فالملف أُحيل إلى المحاكمة، واتُّخذ في حقه تدبير يمنعه من مغادرة البلاد.
شرقاب… من المحاكمة في حالة سراح إلى السجن
في قضية رشيد شرقاب، الطبيب المتخصص في التخدير والإنعاش والرئيس السابق لمصلحة بالمستشفى الجامعي ابن رشد، يختلف المسار الإجرائي. فقد كان يتابع في حالة سراح، قبل أن تدينه المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بسنة حبسا نافذا وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم، وتأمر باعتقاله من داخل الجلسة، وفق التغطيات المنشورة.
وبحسب تقرير مفصل عن القضية، جاءت المتابعة بعد شكايتين تقدم بهما أطباء اعتبروا منشورات المعنيين بالأمر مسيئة إلى سمعتهم المهنية وحياتهم الشخصية. وشملت الاتهامات بث وتوزيع ادعاءات كاذبة، والتشهير ضد امرأة بسبب جنسها، وانتحال صفة مرتبطة بمهمة نقابية. وهذه هي خلفية المتابعة القضائية المعلنة في التقرير، وليست تهمة اسمها «محاربة الفساد».
أما الجمعية المغربية لحماية المال العام، فتقدم قراءة مختلفة لسياق الملف. فقد استنكر رئيسها محمد الغلوسي اعتقال شرقاب، وربط قضيته بشكايات وتقارير سبق أن وجهها بشأن ما يصفه بشبهات فساد واختلالات في المستشفى، مطالبا بالإفراج عنه والتحقيق الجدي في تلك الشكايات.
والفصل بين الروايتين ضروري: لا يصح الجزم بأن الطبيب سُجن لأنه حارب الفساد من دون إثبات، كما لا يصح تجاهل هذا التخوف الحقوقي أو اختزال القضية في منطوق الحكم وحده.
اختلاف المرحلة لا يلغي سؤال الاعتقال
المقارنة بين الملفين تحتاج إلى دقة: الفايد في بداية المحاكمة، بينما صدر في حق شرقاب حكم ابتدائي بالإدانة. لذلك لا تكفي المقارنة وحدها لإثبات أن جهتين قضائيتين طبقتا معيارين مختلفين على وضعيتين متطابقتين.
لكن هذا الفارق لا يغلق النقاش. فموضع الاعتراض في قضية شرقاب، كما صاغه المدافعون عنه، ليس وجود متابعة أو حتى صدور حكم فقط، بل الأمر باعتقاله فورا بعد أن كان يحضر للمحاكمة في حالة سراح، وقبل حسم النزاع استئنافيا. وقد انتقد الغلوسي تطبيق المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية في هذه القضية، معتبرا أن الأمر يطرح سؤالا حول معاملة ملفات أخرى.
وفي جلسة الاستئناف المنعقدة يوم 2 نونبر، التمس دفاع شرقاب السراح المؤقت، بينما أُجل النظر في الملف إلى 16 نونبر، بحسب التقارير المنشورة. وينازع الدفاع في سلامة الحكم وتعليله؛ وهي دفوع يبقى البت فيها للمحكمة المختصة.
السؤال هنا محدد: ما المبررات التي جعلت استمرار محاكمته خارج السجن غير ممكن؟ وما الذي تغير، من حيث ضرورة الاعتقال، بين دخوله إلى الجلسة وصدور الحكم؟
ليست العدالة سباقا نحو الزنازين
من السهل تحويل الغضب إلى مطالبة باعتقال الجميع. لكن ذلك يعالج التفاوت المحتمل بتوسيع سلب الحرية، لا بتصحيح معاييره.
إذا كانت متابعة الفايد خارج السجن تسمح بسير المحاكمة، فهذه ليست في حد ذاتها مشكلة. المشكلة التي تستحق الفحص هي: هل تُتاح الضمانات نفسها لكل من تسمح وضعيته بذلك؟ وهل يمكن تفسير الفروق بوضوح استنادا إلى ظروف كل قضية، لا إلى مكانة صاحبها أو طبيعة النقاش المحيط به؟
المساواة أمام القضاء لا تعني أن تكون القرارات متطابقة آليا، بل أن تخضع الاختلافات لأسباب موضوعية قابلة للفهم والمراجعة. وكلما غاب هذا التفسير عن النقاش العام، اتسعت مساحة الشك في الانتقائية.
ماذا عن شكايات المستشفى؟
في قضية شرقاب، لا يكفي أن يعرف الرأي العام أنه متهم في ملف تشهير. من المهم أيضا معرفة المآل الذي آلت إليه شكاياته المتعلقة بتدبير مستشفى ابن رشد.
فقد نقلت الجمعية المغربية لحماية المال العام أنه سبق أن توجه إلى جهات قضائية مطالبا بالبحث في اختلالات يقول إنها موثقة، فيما أورد تقرير صحفي أنه وجه شكايات وتقارير إلى وزارة الصحة وإدارة المستشفى ومصالح النيابة العامة.
وجود هذه الشكايات لا يثبت صحة ما ورد فيها، ولا يمنح صاحبها حصانة من المساءلة عن أي تجاوز مستقل. لكنه يفرض عدم تركها خارج الصورة.
هناك مساران ينبغي ألا يبتلع أحدهما الآخر: فحص الادعاءات المتعلقة بتدبير المرفق العمومي، وفحص ما إذا كانت المنشورات موضوع الشكاية قد تضمنت أفعالا معاقبا عليها. التحقيق في الأول لا يلغي حقوق المشتكين في الثاني، كما أن محاكمة الطبيب لا تحسم تلقائيا بطلان ما أثاره من اختلالات.
الخطر يتجاوز مصير طبيب
حذرت هيئات حقوقية ومدنية، وفق التغطيات المنشورة، من أثر اعتقال شرقاب على حماية المبلغين عن الاختلالات، وطالبت بالسراح المؤقت وفتح افتحاص محايد للملفات التي أثارها.
وهذا التخوف يستحق الإنصات. فإذا ترسخ لدى العاملين في المرافق العمومية أن إثارة الاختلالات قد تنتهي بصاحبها إلى السجن، بينما يظل مآل الشكايات الأصلية غامضا، فقد تصبح الرسالة العملية هي الصمت.
ولا تعني مواجهة هذا الخطر السماح بالتشهير أو نشر اتهامات بلا أدلة. المطلوب مسار واضح يميز بين التبليغ المسؤول، والنقد المهني، والإساءة إلى الأشخاص، ويحمي حقوق جميع الأطراف دون أن يجعل الخوف بديلا عن الرقابة.
المعيار الذي يجب الدفاع عنه
التباين بين ملفي الفايد وشرقاب يثير سؤالا مشروعا، لكنه لا يجيز إعلان ازدواجية المعايير حقيقة قضائية محسومة من دون الاطلاع على تعليل القرارات وظروف الملفين.
أما ما يمكن المطالبة به بوضوح، فهو ألا يصبح الاعتقال جوابا تلقائيا في قضايا التعبير والنشر، وأن تُفحص طلبات السراح بجدية، وأن يُتابع مآل شكايات الاختلالات بالصرامة نفسها التي تُتابع بها الشكايات ضد أصحابها.
ليس المطلوب أن يدخل الفايد السجن حتى يبدو المشهد متوازنا. المطلوب أن تكون أسباب سلب الحرية واضحة، وأن تبقى المساءلة منصفة، وأن يجد الطبيب والمبلغ والناقد وسائر المتقاضين الضمانات نفسها. فالثقة في القضاء لا يبنيها عدد من يدخلون الزنازين، بل الاطمئنان إلى أن القانون لا يشتد على شخص ويلين مع آخر بلا سبب موضوعي.



















